رأي

الأوبئة تحاصر السودان… والمأساة التي يتستر عليها إعلام الكيزان مؤيد الأمين

مؤيد الأمين

 

مؤيد الأمين

مقدمة

بين ركام الحرب وضجيج المدافع، يتسلل الموت في صمت داخل المدن والقرى السودانية، لا بفعل الرصاص هذه المرة، بل بسبب الأوبئة التي فتكت بالناس على مرأى ومسمع من سلطة الإخوان المسلمين (الكيزان) التي تسيطر على بورتسودان وتدّعي أنها “الحكومة الشرعية”.

فبينما تنشغل منابرهم الإعلامية بالتطبيل لانتصارات وهمية في جبهات القتال، يعيش المواطن السوداني مأساة حقيقية في معركة أخرى لا تقل قسوة — معركة ضد المرض والجوع والعطش، ومع غياب الرعاية الصحية وتعتيم كامل على الحقائق، أصبح السودان اليوم بؤرة إنسانية منكوبة تتفاقم يوماً بعد يوم.

بلد يختنق بالوباء

منذ منتصف عام 2024 وحتى مطلع 2025، بدأت تقارير متفرقة تتحدث عن تفشي أوبئة قاتلة في مناطق مختلفة من السودان، خاصة في ولايات الجزيرة، الخرطوم، دارفور، وكردفان.

أبرز تلك الأوبئة هي الكوليرا، الملاريا، الحمى النزفية، والتهاب الكبد الوبائي، إلى جانب انتشار واسع للأمراض الجلدية الناتجة عن تلوث المياه وسوء الصرف الصحي.

غير أن الخطورة الكبرى تكمن في أن هذه الأمراض تنتشر في بيئة من الانهيار الكامل للمنظومة الصحية، حيث لم تعد هناك مستشفيات تعمل بكامل طاقتها، ولا كوادر طبية كافية، ولا أدوية متوفرة في الأسواق.

في مدينة ود مدني مثلاً، التي كانت يوماً ما مركزاً طبياً رئيسياً في البلاد، تحولت المستشفيات إلى أطلال. يعمل الأطباء وسط ظروف قاسية، دون كهرباء منتظمة، أو مياه صالحة للشرب، أو حتى كمّامات ومواد تعقيم.

وفي دارفور، حيث الحرب بلغت ذروتها، يموت الناس بالأمراض كما يموتون بالقنابل، دون أن تصل إليهم أي مساعدات طبية، ودون أن يسمع أحد عنهم.

بورسودان: “العاصمة البديلة” التي تحكمها الأوهام

في المقابل، يجلس قادة الكيزان في مكاتبهم ببورتسودان، التي نصّبوها “عاصمة مؤقتة”، يتبادلون الخطابات والبيانات عن “السيادة الوطنية” و”الانتصارات العسكرية”، وكأن البلاد لا تحتضر.

لقد تحولت بورتسودان إلى مركز إداري مغلق يعيش في عزلة عن الواقع. فبدلاً من إدارة الأزمة الصحية، انشغلت السلطة القائمة هناك بإعادة تمكين الموالين للحركة الإسلامية في الوزارات، وإقصاء كل من لا يتوافق مع توجهها السياسي.

القرارات الصادرة من هناك بعيدة كل البعد عن هموم المواطن. فالوزراء والمسؤولون لا يزورون المناطق المنكوبة، ولا يصدرون أي بيانات شفافة عن أعداد المصابين أو الوفيات، بل يكتفون بعبارات فضفاضة تتحدث عن “استقرار الوضع الصحي”، في الوقت الذي تمتلئ فيه المقابر يومياً بعشرات الجثامين.

تعتيم إعلامي ممنهج

أخطر ما في المشهد هو التعتيم الإعلامي المتعمد.

فالإعلام الموالي للكيزان يعمل على صرف الأنظار تماماً عن الكارثة الصحية.

تفتح القنوات والصحف صفحاتها وخطاباتها الحماسية للحرب والقتال، وتعرض مشاهد “انتصارات” مصطنعة من ساحات القتال، في حين لا تذكر شيئاً عن الأوبئة التي تفتك بالمدنيين، أو عن آلاف الجثث التي لا تجد من يدفنها.

تقوم ما تسمى بـ”الهيئة العامة للإعلام” في بورتسودان بمراقبة المحتوى الإخباري، وتمنع أي تقرير يتحدث عن الأوضاع الصحية، بدعوى أنه “يبث الذعر بين المواطنين” أو “يخدم أجندة العدو”.

حتى الصحفيون المستقلون الذين حاولوا نقل الحقيقة تعرضوا للملاحقة والاعتقال، وبعضهم اختفى تماماً.

وبينما ينشغل العالم بأخبار الحرب، اختفى المشهد الإنساني من شاشات التلفاز ومنصات التواصل الاجتماعي، لأن الآلة الإعلامية التابعة للكيزان تعمل على هندسة الوعي العام، وتوجيه الأنظار حصرياً نحو معارك لا وجود لها إلا في عناوين الأخبار.

المرض يفتك بالمخيمات

في معسكرات النزوح المنتشرة في دارفور وكردفان والنيل الأبيض، يعيش مئات الآلاف في أوضاع كارثية.

الخيام لا تقي من حر ولا من برد، والمياه التي يشربونها ملوثة، والأطفال يموتون كل يوم بسبب الجفاف وسوء التغذية.

منظمات الإغاثة القليلة التي تمكنت من الوصول تحذر من أن الوضع الصحي في السودان بات خارج السيطرة تماماً، لكن لا أحد من داخل السلطة يبدي اهتماماً حقيقياً.

تنتشر الكوليرا بشكل خاص في المناطق التي لجأ إليها نازحو الحرب، لأن الصرف الصحي شبه معدوم، والمستشفيات الميدانية تعمل بأدوات بدائية.

كما تفشت الملاريا بسبب غياب الرش الوقائي وتكاثر البعوض في المناطق المغمورة بالمياه الراكدة بعد الأمطار.

أما الحمى النزفية فقد أصبحت وباءً صامتاً لا يتحدث عنه أحد، لأن تشخيصه يحتاج إلى معامل طبية متقدمة لم تعد موجودة في البلاد.

غياب الدولة وتراجع الضمير

المأساة السودانية اليوم لا تكمن فقط في انتشار المرض، بل في غياب الدولة بكل مؤسساتها.

فالحكومة القائمة في بورتسودان تتعامل مع الأزمة كأنها أمر ثانوي، لا يرقى إلى مستوى الخطر العسكري.

لا توجد خطط للطوارئ، ولا ميزانيات للصحة، ولا شراكات مع المنظمات الدولية، بل يُنظر إلى كل جهة تحاول التدخل الإنساني بعين الشك والاتهام بأنها “عميلة للخارج”.

في المقابل، تُنفق الملايين على الحملات الإعلامية، وعلى تمويل المليشيات التابعة للكيزان، وعلى المؤتمرات والبيانات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

هذا الانفصال بين الحاكم والمحكوم جعل الشعب السوداني يعيش اليوم في فراغ إداري وأخلاقي، حيث لا أحد يتحمل المسؤولية، ولا أحد يقدم حلولاً.

الطبيب بلا دواء، والمريض بلا أمل

في المستشفيات القليلة التي ما زالت تعمل، يواجه الأطباء والممرضون معركة أخرى.

فهم يعملون بلا رواتب، وبلا وقود لتشغيل المولدات، وبأدوات طبية نفدت منذ شهور.

في بعض المناطق، يُضطر الأطباء إلى استخدام الشاش المعقم أكثر من مرة، وإلى إجراء العمليات الجراحية على ضوء الهواتف المحمولة.

أما الأدوية فتباع في السوق السوداء بأسعار خيالية، لا يستطيع المواطن العادي تحملها.

تقول إحدى الطبيبات في الخرطوم المنهارة:

> “الموت هنا ليس بسبب المرض فقط، بل بسبب العجز. نعرف كيف ننقذ المرضى، لكن لا نملك شيئاً لنفعله.”

هذه الكلمات تختصر حجم المأساة التي يواجهها القطاع الصحي في السودان، في وقت يكتفي فيه مسؤولو بورتسودان ببيانات التطمين والإنكار.

أرقام غائبة وحقائق مطموسة

حتى اليوم، لا توجد أي إحصاءات رسمية دقيقة عن عدد المصابين أو الوفيات جراء الأوبئة المنتشرة.

المنظمات الإنسانية تعتمد على تقديرات ميدانية تشير إلى أن عدد الوفيات تجاوز عشرات الآلاف منذ منتصف العام الماضي، بينما بلغ عدد المصابين بالكوليرا وحدها أكثر من 200 ألف حالة في ولايات مختلفة.

لكن هذه الأرقام لا تجد طريقها إلى الإعلام المحلي الذي تسيطر عليه أجهزة الكيزان، في حين تتحدث الصحف التابعة لهم عن “تحسن تدريجي في الوضع الصحي”، في مفارقة مؤلمة بين الخطاب والواقع

العالم يتفرج

المجتمع الدولي بدوره يبدو عاجزاً أو متردداً في التعامل مع الأزمة.

المنظمات الأممية حذرت مراراً من كارثة إنسانية، لكن استجابتها ما زالت بطيئة بسبب العراقيل التي تضعها السلطات المحلية في وجهها.

فقد منعت حكومة بورتسودان دخول بعض فرق الإغاثة بدعوى أنها “غير مرخصة”، بينما تُترك آلاف الأجساد للموت دون دواء أو مأوى.

وفي ظل هذا الصمت الدولي، يستمر الإعلام الكيزاني في تكرار روايته عن “الصمود الوطني” و”الانتصارات”، وكأن البلاد لا تعيش أسوأ أزمة صحية في تاريخها الحديث.

الناس بين الخوف والإنكار

 

المواطن السوداني اليوم يعيش حالة من الهلع الصامت.

فهو يدرك أن المرض في كل مكان، لكنه لا يجد جهة رسمية تخبره بالحقيقة.

وحتى عندما يسمع عن وفاة أحد جيرانه بالكوليرا أو الحمى، يخاف أن يتحدث، لأن الإعلام الموجه جعله يصدق أن أي كلام عن الوباء هو “خيانة للوطن”.

تتحول الأكاذيب اليومية إلى واقع مفروض، ومع مرور الوقت، يصبح الناس جزءاً من الصمت العام.

إنها سياسة الكيزان القديمة: اصنع الأزمة، ثم امنع الحديث عنه

خاتمة: مأساة تتجاوز الحرب

السودان اليوم يعيش بين نارين: نار الحرب، ونار المرض.

لكن ما يجعل المأساة أكثر عمقاً هو أن السلطة التي يفترض أن تحمي الناس أصبحت شريكاً في معاناتهم، بصمتها وتعتيمها وتلاعبها بالإعلام.

إن استمرار هذا الوضع يعني أن السودان يسير نحو كارثة إنسانية شاملة قد تتجاوز في فداحتها كل ما عاشه من قبل.

وما لم يتحرك المجتمع الدولي، والقوى المدنية، والأصوات الحرة داخل البلاد لكسر حاجز الصمت، فإن البلاد قد تفقد جيلًا كاملاً بسبب الإهمال والإنكار.

فالأوبئة لا تميز بين مؤيد ومعارض، ولا بين كوز ومدني — إنها تحصد الأرواح بالتساوي، في وطن أنهكه الكذب، والدم، واللامبالاة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!