
عبدالناصر آدم حمزة (ود الشهيد)
مع استمرار الحرب التي أوشكت أن تدخل عامها الثالث منذ اندلاعها في الخامس عشر من أبريل، بدا وكأن الفرح قد غادر الحياة السودانية قسراً، وتوقفت معه كل مساحات الترويح والترفيه والمناشط الثقافية والاجتماعية والرياضية. تلك المساحات التي كانت تمثل المتنفس الوحيد للشباب في مدن وولايات السودان، وتشكّل فضاءً للتنافس والإبداع وبناء الروابط الاجتماعية، وجدت نفسها فجأة ضحية مباشرة لصوت البنادق ومنطق الدمار.
في مدينة نيالا، كما في غيرها من مدن السودان، لم تسلم الرياضة من ويلات الحرب. فقد طال الخراب الاستاد الرياضي، وتوقفت الأنشطة، وبدا وكأن الرياضة في الولاية قد أُحيلت إلى الذاكرة فقط. غير أن ما يميز المجتمعات الحيّة هو قدرتها على النهوض من تحت الركام، وهو ما بدأ يتجلى مع عودة الاستقرار النسبي، حيث عاد المبدعون الذين فرّوا هرباً من أتون الحرب، وشرعوا في ترميم ما يمكن ترميمه من مناشط الحياة، مستعيدين شيئاً من الأمل في غدٍ مختلف.
برزت المبادرات الشبابية في نيالا بوصفها شاهداً حيّاً على هذه الروح الجديدة، وكان النشاط الرياضي في مقدمتها، خاصة دوري المحليات الذي يُقام حالياً على مستوى الولاية. هذا الدوري لم يكن مجرد منافسة كروية، بل تحوّل إلى مساحة اجتماعية جامعة، نجحت في لمّ شمل شباب الولاية من مختلف المحليات، وكسر جمود القطيعة الاجتماعية التي فرضتها الحرب، وأعادت جسور التواصل رغم قسوة الاستقطاب وإفرازات الصراع.
لقد حملت هذه التجربة رسالة عميقة الدلالة: أن الرياضة قادرة على أن تتغلب على صوت البندقية، وأن تنجز ما عجزت عنه السياسة في كثير من الأحيان. فهي مساحة محايدة، تتراجع فيها الانتماءات الضيقة أمام الانتماء الأوسع، ويتحوّل فيها التنافس إلى وسيلة للتقارب لا للتناحر. ومن خلالها استطاع الشباب أن يحوّلوا طاقاتهم السلبية إلى طاقة إيجابية، وأن يبعثوا برسالة مفادها أن الحرب، مهما اشتدت، لا تستطيع أن تمزق نسيج المجتمع إلى الأبد.
إن ما يحدث في ملاعب نيالا اليوم يضعنا أمام سؤال جوهري: إذا كانت الرياضة قد جمعتنا بهذه اللوحة الاجتماعية المتنوعة، فلماذا لا تكون مدخلاً حقيقياً للمحبة والسلام؟ ولماذا لا تُستثمر بوصفها أداة لتقبل الآخر، ونبذ خطاب الكراهية، وترسيخ قيم التعايش السلمي بين مختلف مكونات المجتمع؟
الرياضة، في جوهرها، ليست مجرد لعبة أو منافسة على كأس أو لقب، بل هي ثقافة وسلوك ورسالة. وحين تُدار بإرادة صادقة، يمكن أن تصبح جسراً للسلام، ومنصة لإعادة بناء الثقة، ونقطة انطلاق نحو مجتمع متماسك، يؤمن بأن التنوع مصدر قوة لا سبب صراع.
وفي الختام، نتمنى التوفيق لجميع الفرق المشاركة في دوري المحليات، ونحيّي كل الرياضيين في الولاية ومحلياتها، واللجان المنظمة التي عملت في ظروف بالغة الصعوبة. وتبقى الرسالة الأهم التي ينبغي أن نحملها معنا دائماً:
إذا كانت يد الفيفا قد جمعتنا، فهل يُعقل أن تفرّقنا يد الحرب؟
والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.




