سلسلة كشف المستور (7) ملف الإعلام: “هندسة الدونية” ”هنا أم درمان”.. بوق “السيد”: كيف صُمم الإعلام لطمس وعي الأمة
مجدي محمد مصطفى ماكن

مجدي محمد مصطفى ماكن
جريمة الهندسة الاجتماعية
لأكثر من 80 عاماً، ظل السودانيون يجلسون بخشوع أمام المذياع كل صباح، يستمعون لتلك العبارة الشهيرة بصوت رخيم ومموسق: “هنا أم درمان”.
بالنسبة للكثيرين، هذه العبارة تثير “النوستالجيا” والحنين للزمن الجميل.
لكن بالنسبة لنا، نحن الذين استيقظنا من الغيبوبة، هذه العبارة ليست سوى “شفرة التنويم المغناطيسي” التي استخدمتها نخب المركز لبرمجة عقول الملايين، ولتحويل شعب كامل إلى “قطيع” يسبح بحمد جلاده.
اليوم، سنضع هذا الجهاز “المقدس” (الراديو والتلفزيون القومي) تحت المجهر، لنكتشف أنه لم يكن جهازاً للترفيه أو التثقيف، بل كان “غرفة عمليات” لإجراء أخطر جراحة في التاريخ: جراحة استئصال الهوية السودانية وزراعة “عقدة الدونية” مكانها.
1. “هنا أم درمان”.. لماذا ليست “هنا السودان”؟
اللغة لا تكذب. والأسماء ليست مجرد لافتات.
عندما يختار “الأفندي” أن يسمي الإذاعة القومية الوحيدة باسم مدينته (أم درمان)، فهذا ليس حباً في الجغرافيا، بل هو “إعلان ملكية”.
الرسالة الضمنية التي حُفرت في العقل الباطن لكل طفل في دارفور أو الشرق أو الجنوب هي:
“المركز أم درمان “البقعة” هو الأصل، هو السيد، هو المتحدث الرسمي.. أما أنتم، في بقية المليون ميل مربع، فأنتم مجرد (أطراف) وتوابع. أنتم هنا لتستمعوا، لا لتتحدثوا.”
لقد اختزلوا وطناً بحجم قارة في “حي” سكني واحد.
جعلوا “ثقافة أم درمان” هي المعيار الوحيد للوطنية، و”لهجة أم درمان” هي المعيار الوحيد للتحضر.
إذا لم تتحدث بـ “القلقلة” الأمدرمانية، وإذا لم تطرب لأغاني “الحقيبة”، فأنت في نظر هذا الإعلام “غير مكتمل الوطنية”، أو مجرد مادة خام تحتاج لـ “إعادة تدوير” لتصبح بشراً سوياً.
2. المذبحة اللغوية: “الرطانة” vs “اللسان المبين”
الجريمة الأبشع التي ارتكبها “كهنة أم درمان” هي اغتيال اللغات السودانية الأصيلة.
في عرف إذاعة وتلفزيون دولة 56، اللغة العربية (بنسختها الوسطية) هي “اللغة”، أما لغاتنا العريقة (النوبية، الدينكا، الفور، البجا، المساليت) فهي ليست لغات، بل أطلقوا عليها اسم “رطانة”.
هل تدركون مدى قذارة وعنصرية هذا المصطلح؟
“الرطانة” تعني الكلام بلا معنى الذي لا يُفهم، وتعني “اللغو”.
لقد أقنعوا أجيالاً كاملة من أبناء الهامش أن لغة أمهاتهم التي رضعوها هي “عار” يجب إخفاؤه. كان الطفل في المدرسة يجبر على تغيير اسمه ليحمل اسما عربيا، تم تغيير اسماء آلاف الأطفال، و من يرفض يطرد من المدرسة!، كان الطفل في المدرسة يُضرب إذا تحدث بلسان أمه.
وكان المذيع في التلفزيون يسخر ممن تظهر في صوته “لكنة” غير عربية.
هذا ليس إعلاماً.. هذا “تطهير عرقي لغوي”.
لقد خلقوا “عقدة نقص” مركبة جعلت ابن الغرب يحاول لَيّ لسانه ليكسر “اللكنة” حتى يقبله مجتمع “الأفندية”، بدلاً من أن يفتخر بتنوعه.
3. صناعة “المسخ” الثقافي
ماذا يفعل الإعلام الرسمي في المناسبات؟
يأتي بفرق الرقص الشعبي من الهامش (الكمبلا، الكرن، رقصات الشرق والجنوب) لتعرض وصلة قصيرة كنوع من “الفلكلور” والديكور، ثم يعود البث فوراً للبرامج التي يديرها الأفندية بالبدل وربطات العنق أو الجلابية.
الرسالة هنا واضحة وحادة كالسيف:
“ثقافتكم جيدة للرقص والفرجة فقط، جيدة كديكور سياحي.. لكنها لا تصلح لإدارة الدولة، ولا تصلح للفكر، ولا للسياسة.”
لقد حنطوا تراثنا وحولوه إلى “متحف”، بينما احتكروا هم “الحداثة”.
هذه الهندسة الاجتماعية الإعلامية هي التي جعلت المواطن في الهامش يشعر لا شعورياً أن “السلطة” لا تشبهه، وأن “الرئاسة” لا تليق به، وأن مكانه الطبيعي هو “المسرح” وليس “القصر”.
4. “البرمجة العكسية”: تمجيد الجلاد
انظروا إلى الأغاني الوطنية التي يضخها هذا البوق ليل نهار.
“جدودنا زمان وصونا على الوطن”.. أي جدود هؤلاء؟
هم يقصدون “جدودهم” هم. جدود دولة 1956.
الإعلام الرسمي مجد تاريخ “العملاء” الذين مارسوا النخاسة و الاسترقاق والإبادة ضدنا، ومجد تاريخ “الاستقلال المزيف”، ومسح تماماً تاريخ سلاطيننا وملوكنا في الممالك الزرقاء وممالك دارفور وكوش القديمة.
جعلونا نحفظ أسماء “شعرائهم” و”فنانيهم”، ونجهل تماماً عظماءنا.
هذه عملية “غسيل مخ” جماعي تهدف لخلق ذاكرة مزيفة.
يريدونك أن تفتخر بـ “الأزهري” و”المحجوب” (الذين سلموك للضياع)، وتنسى “علي دينار” و”السلطان عجبنا”.
إنها محاولة لجعلك تتبنى “رواية الصياد” وتنسى “رواية الأسد”.
5. الخلاصة: حطموا هذا البوق “الراديو” في رؤوسهم، ما تسمعونه من “هنا أم درمان” ليس صوتاً بريئاً.
إنه صوت “السيد” الذي يملي على “العبد” كيف يفكر، وكيف يتكلم، وكيف يحب، وكيف يكره.
هذا الجهاز الإعلامي (بشقيه القديم والجديد) هو الحارس الأمين لـ “الأبارتهايد المنقب”. هو الذي يزين القبيح، ويقبح الجميل.
المعركة الآن ليست فقط إسقاط “القيادة العامة” للجيش، بل إسقاط “القيادة العامة للإعلام”.
يجب أن يتوقف هذا البوق عن العمل.
يجب أن نعلنها صراحة: “هنا السودان”.. بكل لغاته، بكل سحناته، بكل ثقافاته.
وإلى أن يحدث ذلك، فإن كل ما يخرج من “ميكرفونات” دولة 56 هو “سم زعاف” يجب أن نحصن أطفالنا ضده.
أغلقوا راديو “أم درمان”.. وافتحوا عقولكم للحقيقة.
#الأبارتهايد_المنقب
#هندسة_الدونية
#سحرة_أم_درمان
المقال القادم ، الثاني في ملف الإعلام، سنتناول “الدراما والكوميديا” ونكشف كيف تحول “الفاضل سعيد” وغيره من نجوم الكوميديا (بقصد أو بدون قصد) إلى أدوات لاغتيال الشخصية السودانية وتنميط “إنسان الهامش” في دور “المهرج” أو “الخادم”.




