
بقلم: السفير عادل إبراهيم
أصدر مجلس سيادة السلطة الانقلابية بيانًا حول اتفاق “سلام غزة”، وصف فيه الاتفاق بأنه خطوة مهمة نحو وقف نزيف الدم ورفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني، وتحقيق العدالة وإعلاء قيم الإنسانية في المنطقة.
لكنّ المعضلة ليست في مضمون هذا الترحيب، بل في الجهة التي صدر عنها البيان — الجهة ذاتها التي تخوض منذ أكثر من عامين حربًا شعواء في وطنها، أحرقت المدن، وشرّدت الملايين، ودمّرت ما تبقّى من مقومات الدولة السودانية.
إنّ المفارقة لا تكمن في الترحيب باتفاق “سلام غزة”، بل في انفصام الوعي السياسي والأخلاقي لدى سلطة بورتسودان الانقلابية، التي ترفض وقف القتال في السودان، بينما تُبدي حرصًا مصطنعًا على السلام في غزة.
فالمجلس الذي يتحدث عن “رفع المعاناة” عن كاهل الشعب الفلسطيني هو ذاته الذي يغضّ الطرف عن معاناة شعبه، وعن مأساة النزوح والجوع والمرض التي تنهش جسد السودان.
هذه الازدواجية الفجة تفضح نمطًا مألوفًا من النفاق السياسي الذي تمارسه الأنظمة المستبدة حين تتزيّن بخطاب إنساني في الخارج لتغطية عوراتها في الداخل.
وهكذا يجد المجلس الانقلابي في الحديث عن “القيم الإنسانية” متنفّسًا دعائيًا لتجميل صورته أمام الرأي العام العربي، بينما يصرّ على مواصلة حربٍ دمّرت البلاد وصنفتها كإحدى أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم.
ولعلّ أصدق ما يُقال عن هذا الموقف ما يجري على ألسنة السودانيين من أمثال عامية تختصر الحكمة والسخرية معًا.
فقديمًا قالوا: “غلفَه وشايلا موسا تطهِّر”،
وهو مثل يصف من يُدين الآخرين علي ذنب هو غارق فيه حتى أذنيه.
فمن يبارك سفك الدماء في وطنه لا يملك مصداقية في البكاء على دماء الآخرين، ومن يرفض السلام في الخرطوم لا يحق له أن يتحدث عن سلام غزة.
لكن خلف السخرية تكمن مأساة أعمق
فالمشكلة ليست في الخطاب فحسب، بل في بنية الوعي السياسي الذي ترسّخ تحت حكم العسكر، حيث تسود ذهنية “التصدير الأخلاقي” التي تبرع في الشعارات الخارجية وتُفلس في الممارسة الداخلية.
فالحديث عن فلسطين وغزة، رغم نبله من حيث المبدأ، يتحول في خطاب الانقلابيين إلى وسيلة للهروب من الأسئلة الجوهرية حول جرائم الحرب والانتهاكات وانسداد الأفق السياسي في السودان.
وليس جديدًا أن تلجأ السلطات الانقلابية إلى هذا الأسلوب؛ فقد استخدمه نظام البشير من قبل لتبرير سياساته القمعية باسم “نصرة الأمة الإسلامية”، وها هو مجلس السيادة الانقلابي يعيد إنتاج النغمة ذاتها بديكور جديد: “السلام الإقليمي” بدل “الجهاد العالمي”.
إنّ الموقف الأخلاقي لا يتجزأ؛ ومن أراد أن يتحدث عن العدالة والإنسانية فعليه أن يبدأ من بيته أولًا — من دارفور التي تنزف، ومن الجزيرة التي دُمّرت، ومن الخرطوم التي تحوّلت إلى مدينة أشباح.
أما سلام غزة، فهو دون شك أمر يستحق التأييد، ولكن تأييده على لسان من يُشعل الحرب في وطنه يجعل الموقف كله تمثيلية سياسية باهتة لا تقنع أحدًا.
وفي قلب هذه المفارقات، يظل صوت الثورة المدنية السودانية هو الأوضح والأصدق؛ لم تفقد بوصلتها رغم أهوال الحرب، ولا تزال تؤمن بأن السلام الحقيقي لا يُفرض بالسلاح، بل يُبنى على الحرية والعدالة والمواطنة المتساوية.
فـ”السودان الجديد” الذي تنشده قوى الثورة لا يقوم على ازدواجية المواقف ولا على نفاق السلطة، بل على قيم واحدة للداخل والخارج معًا — قيم تُدين القتل في غزة كما تُدين القتل في الفاشر، وتناصر العدالة للشعب الفلسطيني كما تطالب بها للشعب السوداني.
ذلك هو الفارق الجوهري بين خطاب الثورة وخطاب الانقلاب:
الأول يرى في السلام مبدأً إنسانيًا شاملاً، والثاني يستخدمه قناعًا لتغطية الجرائم.
وسيظل التاريخ، لا البيانات، هو الحكم العادل بين من تاجروا بشعارات العدالة ومن دفعوا أثمانها بدمائهم.




