رأي

العودة القسرية لمواطني جنوب السودان.. جريمة إنسانية جديدة

حليمة الصافي زندو

 

 حليمة الصافي زندو

في مشهد يوجع القلب ويعرّي وجه السلطة في بورتسودان، أقدمت السلطات السودانية مؤخرًا على ترحيل (111) امرأة من مواطنات دولة جنوب السودان قسرًا من العاصمة الخرطوم، دون أطفالهن الصغار الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاثة أشهر وخمسة عشر عامًا. جريمة إنسانية مكتملة الأركان، تكشف عن واحدة من أكثر الملفات قتامة في سجل هذه الحكومة، التي تمضي على خطى النظام الإسلاموي القديم في استهداف المواطنين على أسس جهوية وعنصرية فجة.

ما حدث لا يمكن وصفه إلا بأنه فصل عنصري بامتياز. هو استمرار لنهج الكيزان وسياساتهم الإقصائية التي تستهدف المختلفين في اللون أو الثقافة أو الجغرافيا، وهي سياسات تتنافى مع كل القيم الإنسانية والقانونية التي تحكم العلاقات بين الدول والشعوب.

التعريف الدولي للاجئ واضح وصريح: هو كل شخص اضطر لعبور الحدود الوطنية وترك بلده بسبب الخوف المبرر من الاضطهاد أو بسبب الحروب والنزاعات والاضطرابات السياسية والاجتماعية. ويمنع القانون الدولي، منعًا باتًا، إعادة أي شخص إلى بلاده قسرًا إذا كانت حياته أو حريته مهددة هناك، أو إذا لم تتوفر له ظروف العودة الطوعية الآمنة والكريمة.

ترحيل النساء الجنوبيات بهذه الطريقة العشوائية والمهينة، دون أي تنسيق مسبق مع المنظمات الدولية المختصة أو مع حكومة جنوب السودان، يمثل انتهاكًا فاضحًا للقانون الدولي الإنساني. فحتى في حالات العودة الطوعية، تلتزم الدول بالتنسيق لضمان كرامة العائدين، وتأمين احتياجاتهم الأساسية، ومعالجة الآثار النفسية والاجتماعية التي قد تلحق بهم نتيجة النزوح أو الانفصال عن أسرهم.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا: بأي منطق أو مبرر تُرحّل هؤلاء النساء دون أطفالهن؟ كيف تبرر أي سلطة هذا الفعل البربري الذي يقسم الأسرة ويترك الأطفال في مواجهة مصير مجهول؟ إنّ هذا السلوك لا يمكن أن يصدر عن دولة تحترم نفسها، ولا عن نظام يزعم احترام حقوق الإنسان.

هذا المشهد المأساوي يعيد إلى الأذهان ما حدث في الكنابي حين تعرّض أبناء الجنوب للقتل والسحل والحرق بلا ذنب سوى انتمائهم. التاريخ يعيد نفسه، لكن بصور أشد قسوة وألمًا.

إنّ على حكومة جنوب السودان أن تتحرك فورًا وبصورة رسمية لحماية مواطنيها، واسترداد حقوقهم في العيش الكريم، وردّ الاعتبار لهم، فذلك من أبسط واجباتها تجاه مواطنيها في الخارج. كما على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤوليته الأخلاقية والقانونية في وقف هذه الانتهاكات، وضمان عدم تكرارها.

إنّ كرامة الإنسان لا تتجزأ، والسكوت على مثل هذه الجرائم هو تواطؤ مع الجلاد. هؤلاء النسوة لسن مجرد أرقام في تقرير، بل أمهات وأخوات وبنات يُسحقن تحت أقدام سلطة فقدت إنسانيتها.

وستبقى الحقيقة ساطعة:

أن لا سلام ولا استقرار في السودان طالما ظلت سياسات الإقصاء والعنصرية تحكمه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!