رأي

التعايشي في( بودكاست السودان 360).. صوت العقل في زمن الجنون

 

 عبد الرحمن أبو رندة – بنسلفانيا

في زمن تتكاثر فيه الأصوات المبحوحة وتضيع الحقيقة بين الدعاية والضجيج، جاء لقاء بودكاست 360 الذي استضاف رئيس وزراء حكومة السلام والوحدة، الأستاذ محمد حسن التعايشي، بإدارة الصحفي النابه منعم سليمان، ليعيد للخطاب السياسي السوداني بعضًا من رصانته المفقودة وعقله المغيب.

اللقاء كان على درجة عالية من الشفافية والوضوح، بعيدًا عن اللغة الخشبية التي درج عليها الساسة السودانيون لعقود. التعايشي تحدث بلغة المفكر قبل أن يتحدث بلسان السياسي، وبروح المثقف الذي يعرف مكامن الداء ويقترح الدواء، لا بمنطق التبرير والتجميل الذي اعتدناه من رموز السلطة.

في حواره العميق، وضع التعايشي يده على جوهر الأزمة السودانية، حين أشار إلى الاختلالات البنيوية التي طبعت دولة ما بعد الاستعمار، وكيف أن عملية “تأسيس الدولة الوطنية” تمت على أسس مشوهة أفرزت دولة مركزية قاهرة، احتكرت السلطة والثروة وكرست التهميش والتمييز لعقود.

وأوضح رئيس الوزراء أن تحالف تأسيس جاء ليكسر هذا النسق التاريخي المظلم، وليقدم مشروعًا جديدًا لبناء دولة المواطنة المتساوية، على أسس العدالة والتمثيل الحقيقي. مشيرًا إلى أن حكومته ليست مجرد سلطة انتقالية، بل ثمرة حراك شعبي حقيقي ووليدة رحم الجماهير التي ما زالت تسنده بإرادة واعية وقوية.

وفي قراءة جريئة للمشهد الراهن، كشف التعايشي أن الحرب المشتعلة ليست إلا حرب الإسلامويين الأخيرة ضد إرادة الشعب، مؤكدًا أن الجيش تحول إلى واجهة سياسية للحركة الإسلاموية التي لم تهضم سقوطها بثورة ديسمبر المجيدة، فاختارت أن تحرق البلاد انتقامًا من شعبها. تلك الحركة، كما وصفها، “أشعلت الحرب لتعود إلى السلطة على جماجم الأبرياء”، في إعادة إنتاج مأساوية لدورة الدم والاستبداد.

حديث التعايشي لم يكن مجرد تشخيص سياسي، بل رؤية فكرية متكاملة لبناء وطن جديد ينهض من رماد الدولة القديمة. كان حديث رجل يدرك أن الثورة لا تُختزل في شعارات، وأن السلام لا يُبنى إلا على العدالة، وأن الديمقراطية لا تستقيم إلا بتفكيك بنية الاستعلاء التي حكمت السودان منذ الاستقلال.

لقد بدا التعايشي في هذا اللقاء كما لو أنه صوت العقل في زمن الجنون، والمثقف الذي لم يتنازل عن قيمه في خضم العاصفة، والسياسي الذي يضع مصلحة البلاد فوق كل الحسابات الصغيرة.

تاريخ السودان، كما قال، لن يرحم من يواصلون إشعال الحروب، ولن يغفر لمن باعوا دماء الشهداء بثمن السلطة.

لقد قالها بوضوح: “الجيش ليس حامي الوطن، بل أداة بيد نظام بائد لم يمت بعد.”

ذلك الوضوح، وتلك الجرأة، وذلك الوعي العميق بطبيعة الأزمة، جعلت من هذا اللقاء علامة فارقة في الخطاب السياسي السوداني الحديث، وأعادت الأمل بأن ثمة من لا يزال يؤمن بأن السودان يمكن أن يُعاد تأسيسه على قيم الحرية والمواطنة والسلام الحقيقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!