
التنوير
تتواتر الكتابات في الأسافير حول ترحيل سودانيين من مناطق إقامتهم داخل بلادهم بتهمة أنهم مقيمون غير شرعيين من دولة جنوب السودان، وقد تم ذلك دون أي تحقيق رسمي أو تحقق قانوني، وإنما استناداً إلى المظهر البدني والملامح الخارجية، في ممارسة تمثل جريمة مكتملة الأركان وانتهاكاً فاضحاً لحقوق الإنسان والمواطنة، وعودة إلى عصور التمييز التي تجاوزها الوعي الإنساني قبل قرون. إن ما يحدث في بورتسودان والخرطوم ومناطق اخري ليس حدثاً عابراً، بل سقوط أخلاقي وسياسي يعكس عمق الانهيار القيمي في مؤسسات الدولة ودوائر القرار في مناطق الركاب الجريمه. فليس هناك أي إثبات قانوني بأن هؤلاء المرحّلين ليسوا مواطنين سودانيين، ولا أن دخولهم البلاد تم بصورة غير شرعية، ولا وجود لمحاكمات أو تحقيقات، بل غياب تام لأدوات العدالة وتعطيل متعمّد للمنظومة القانونية والأمنية.
إن هذه الجريمة تمثل وجهاً جديداً للعنصرية الرسمية التي بدأت تترسخ في واقع السودان تحت غياب الدولة وضعف مؤسساتها. فالموقف الأخلاقي الذي يُفترض أن يعلنه القادة العسكريون والسياسيون والمجتمعيون غائب تماماً، وكأن المأساة لا تخصهم، وكأن الإنسانية تُقاس بالانتماء الجغرافي أو الملامح اللونية لا بالكرامة الإنسانية. وما يزيد الألم أن بعض القوى التي تدّعي تمثيل الثورة، تتعامل مع الحادثة بصمت متواطئ يفضح هشاشة القيم التي ترفعها شعارات لا تمس أرض الواقع.
إن المقارنة بين ما حدث في السودان وبين ما جرى قبل شهور في الولايات المتحدة حين تم ترحيل بعض المكسيكيين بالخطأ، تكشف الفرق الشاسع بين الدول التي تحترم الإنسان والدول التي تبرر الجريمة. هناك قامت المؤسسات بالتحقيق والمساءلة والاعتذار العلني، بينما في السودان يجري الإبعاد القسري في وضح النهار دون رقيب أو حسيب، في غياب مطلق للضمير ولحس المسؤولية الوطنية.
إن الموقف من هذه الجريمة لا يقاس بالموقع الجغرافي ولا بالاصطفاف السياسي. فسواء تم الفعل في مناطق يسيطر عليها الانقلابيين من الجيش أو تحت سلطة العصابات المسلحه التي تساندهم، يبقى الفعل واحداً: انتهاك فاضح لحق المواطن والإنسان في والمواطنة والأمان. أما التبرير أو الصمت فهو مشاركة مباشرة في الجريمة. إن صمت النخبة الجديده اليوم — تلك التي تمسك بزمام الخطاب العام وتتحكم في صناعة الرأي عبر الإعلام والمنابر — هو ليس باقل خطر من الفعل ذاته، لأنها تمارس تبريراً ضمنياً وتعيد إنتاج المركزية المعايشه التي لطالما كانت سبباً في تكرار المأساة السودانية. فالمركزية لم تعد مجرد سلطة جغرافية، بل ذهنية متكلسة تستبدل ضحايا الأمس بضحايا اليوم دون أن تتعلم من التاريخ شيئاً انه ما خرج الشعب ضده فلا استبدال لمركز قديم بمركز جديد وكان الشعارات التي رفعت كانت من اجل ذلك.
إن الذين يرفعون شعارات المدنية والمساواة ثم يصمتون على ترحيل إنسان سوداني بسبب ملامحه إنما يسقطون أخلاقياً قبل أن يسقطوا سياسياً، لأن بناء السودان الجديد لا يبدأ بإقصاء الإنسان بل بحمايته. ودون حفظ الحقوق القانونيه. السودان لا يُختبر اليوم في قدرته على إدارة الحرب، بل في قدرته على حفظ كرامة الذين يقيمون علي ارضه. وحين يُرحّل السوداني من وطنه او يصار مقيم بين اهله دون محاكمة ولا إثبات، لجريمه يترتب عليها إيقاع عقوبه تسقط كل شعارات الثورة والديمقراطية والوحدة الطوعية سقوطاً مروعاً.
يدين تجمع السودانيين المستقلين هذه الأفعال ويدعو إلى فتح تحقيق فوري شفاف، وإلى إعلان موقف رسمي واضح من قبل السلطات الحاكمه التي تقول باحقيتها في تمثيل السودانيين والمنظمات الحقوقية السودانيه والدولية. كما يدعو كل القوى الوطنية والمجتمعية إلى الخروج من صمتها وإشهار موقفها الأخلاقي بلا تردد، لأن السكوت على الجريمة جريمة، والصمت العام خيانة لقيم المواطنة المبنيه علي القانون التي هي أساس بناء الدولة. إننا في تجمع السودانيين المستقلين نؤكد أن السودان الذي نحلم به هو وطن لا يُقاس باللون ولا بالملامح ولا بالأصل، بل بالانتماء والحق في الكرامة والمساواة، ونرى أن استمرار هذه الممارسات يعجل بانهيار الدولة ويقوض أي أمل في إعادة بناء سودان العدالة والسلام.
تجمع السودانيين المستقلين
لندن – أكتوبر ٢٠٢٥




