رأي

السودان بين التحديات والانقسام: دروس من تجارب الأمم

عماد جدو

 

✍️ عماد أبكر جدو

منذ انفصال جنوب السودان في عام 2011، دخل البلدان — الشمال والجنوب — مرحلة جديدة من التاريخ، اتسمت بالصراعات والانقسامات المتعددة. كان الأمل أن يؤدي الانفصال إلى إنهاء الحروب وتحقيق السلام، لكن الواقع سرعان ما أثبت العكس، إذ تحوّل الانقسام إلى بداية فصل جديد من الأزمات، يعيد إلى الأذهان تجارب مؤلمة عاشتها دول مثل يوغسلافيا، وتشيكوسلوفاكيا، وزائير.

في جنوب السودان، اندلعت الحرب الأهلية عام 2013 بين رفاق السلاح، فمزقت الدولة الوليدة وأغرقتها في أزمات إنسانية واقتصادية خانقة. وفي الشمال، لم يختلف المشهد كثيرًا؛ إذ عانى السودان من اضطرابات سياسية متلاحقة، كان آخرها الحرب الدامية التي اندلعت عام 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، لتكشف عن عمق الانقسامات القبلية والإقليمية، وضعف مؤسسات الدولة الوطنية. وهكذا، وجد السودانان نفسيهما أمام واقع مشترك من الفوضى والانهيار بدلاً من التكامل الذي كان مأمولًا.

تجربة السودانين تحمل تشابهًا واضحًا مع ما جرى في يوغسلافيا مطلع تسعينيات القرن الماضي، حيث فشلت الدولة في إدارة تنوعها العرقي والديني، فانتهت إلى التفكك والحروب الدموية، قبل أن تنقسم إلى سبع دول. وعلى النقيض، تقدم تجربة تشيكوسلوفاكيا مثالًا مختلفًا، إذ جرى الانفصال بين التشيك والسلوفاك عام 1993 بطريقة سلمية ومنظمة، دون دماء أو دمار، مما يؤكد أن الانفصال ليس بالضرورة مأساة، إذا تم وفق إدارة رشيدة واحترام متبادل للمصالح.

أما زائير (الكونغو الديمقراطية حاليًا)، فتمثل نموذجًا آخر لفشل إدارة الثروات. فبرغم ما تملكه من ذهب ونفط ومعادن نفيسة، فإنها ظلت غارقة في الفقر والنزاعات، بسبب غياب الحكم الرشيد واستئثار النخب بالثروة. المشهد ذاته يتكرر في السودان، حيث تحولت الموارد الزراعية والمعدنية إلى وقودٍ للحرب بدلاً من أن تكون أدوات للتنمية والاستقرار.

ما يجمع هذه التجارب هو سوء إدارة التنوع، وغياب مؤسسات دولة عادلة تضمن المساواة بين مكونات المجتمع. فالتنوع ليس خطرًا بحد ذاته، لكنه يصبح كذلك حين يُستخدم لتبرير الهيمنة أو الإقصاء.

اليوم، يحتاج السودان والسودان الجنوبي إلى عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة مدنية حديثة، تعترف بالتعدد وتوزع السلطة والثروة بعدالة، وتعيد فتح جسور التعاون الاقتصادي بين الشعبين. فالحدود السياسية يجب ألا تكون جدارًا بين التاريخ والمستقبل، بل جسرًا نحو شراكة جديدة في التنمية والمصير.

لقد أثبت التاريخ أن الدول لا تنهض بالانفصال ولا تسقط بالوحدة، بل بكيفية إدارة خلافاتها. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يتعلم السودانيون من تجارب يوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا وزائير قبل أن يعيدوا كتابة مأساة جديدة باسم الوطن؟

16 أكتوبر 2025م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!