
نجم الدين دريسة
لم تعد الحروب في عالمنا المعاصر تُدار في ميادين القتال وحدها، بل في ميادين المعنى. فالسلاح، مهما بلغت فتكه، يحتاج إلى قصة تبرره، وإلى خطاب يمنحه شرعية، وإلى ماكينة إعلامية تُعيد ترتيب الوقائع بحيث يبدو العنف ضرورة، وتبدو الفوضى قدرًا. وفي الحالة السودانية، لم تكن المعركة يومًا عسكرية فحسب، بل كانت في جوهرها معركة سرديات متنازعة حول معنى الدولة، ومن يملك حق تعريف الوطن.
إن معظم السرديات التي أسستها دولة وكلاء الاستعمار لم تكن روايات بريئة عن نشأة كيان سياسي حديث، بل كانت بناءً أيديولوجيًا متقنًا صيغ بعناية لخدمة أجندة دولة الأوليغارشية. دولة قامت على احتكار السلطة والثروة والرمز، ثم عملت على تعميم قصتها الخاصة بوصفها القصة الوطنية الوحيدة. هكذا تحولت الرواية الرسمية إلى “حقيقة” تُدرّس، وتُبث، وتُكرَّر حتى تترسخ في الوعي العام باعتبارها قدرًا تاريخيًا لا يقبل النقاش.
غير أن هذه “الحقيقة” لم تكن سوى سردية انتقائية، حذفت أصواتًا، وأقصت شعوبًا، وهمّشت نخبًا كاملة، لتصنع مركزًا متخيّلًا يحتكر تعريف الوطنية والانتماء. ومع الوقت، أنتجت هذه السرديات مفاهيم مشوّهة حول الدولة والجيش والسيادة والوحدة، وأُعيد تقديمها بوصفها ثوابت لا يجوز مساءلتها. ومن يجرؤ على طرح السؤال، يُتهم بتقويض الدولة، لا بفضح زيفها.
هنا تكمن خطورة اللحظة الراهنة: فالحرب الدائرة ليست فقط امتدادًا لصراع مسلح، بل نتيجة مباشرة لبنية دولة لم تُؤسس على توافق حقيقي، ولم تُبنَ على عقد اجتماعي عادل. السودان، في صورته الحديثة، لم يقم على أسس متفق ومتراضي عليها بين شعوبه، بل تشكّل عبر تسويات نخب ضيقة، ورثت أدوات الاستعمار وأعادت تدويرها في خدمة امتيازاتها الخاصة. وهكذا بقيت قطاعات واسعة من المجتمع خارج معادلات الحكم، تُستدعى في لحظة التعبئة، وتُقصى في لحظة اقتسام السلطة.
إن دولة تُبنى بهذه الطريقة لا يمكن أن تنتج استقرارًا مستدامًا، لأنها في جوهرها مسخ مشوّه: شكل دولة حديثة بمؤسسات وعلم ونشيد، لكن من دون روح تعاقدية جامعة. دولة لا ترى في تنوعها مصدر قوة، بل تهديدًا يجب ضبطه أو تذويبه. لذلك، لم يكن العنف حدثًا طارئًا، بل وظيفة ضمنية في بنية السلطة؛ أداة لضبط الأطراف، وإعادة إنتاج المركز، وإخماد أي محاولة لإعادة تعريف العقد الوطني.
وللأسف، لم تقتصر فاعلية هذه السرديات على الداخل. ففي كثير من الأحيان، يتعاطى المجتمع الدولي مع الرواية الرسمية بوصفها تمثيلًا دقيقًا للواقع، فيبني مواقفه وتحليلاته على مفاهيم أُنتجت أصلًا داخل ماكينة الأوليغارشية. تُختزل الأزمة في صراع على السلطة بين أطراف متنازعة، بينما تُغفل الجذور البنيوية المتعلقة بطبيعة الدولة نفسها. وهكذا تُقدَّم الحلول في شكل تسويات فوقية، تُعيد توزيع المقاعد داخل البنية ذاتها، بدل مساءلة الأساس الذي أنتج الأزمة.
إن التعمية التي صاحبت تأسيس الدولة لم تكن خطأ عابرًا، بل استراتيجية واعية. جرى تصدير سرديات بعينها عن “الوحدة الوطنية” و”هيبة الدولة” و”حراسة الاستقرار”، في حين أُهملت الأسئلة المتعلقة بالعدالة التأسيسية، وتقاسم السلطة، وإعادة توزيع الثروة، والاعتراف المتبادل بين المكونات. ومع مرور الزمن، تراكم وعي زائف يرى في استمرار البنية القائمة ضمانًا للاستقرار، رغم أن هذه البنية ذاتها هي مصدر الاضطراب.
من هنا، فإن أي حديث عن إنهاء الحرب من دون مخاطبة جذور الأزمة يظل قاصرًا. لا يمكن لدولة مشوّهة أن تُرمم نفسها بقرارات فوقية، ولا يمكن لبنية مختلّة أن تُنتج سلامًا عادلًا عبر إعادة تدوير النخب ذاتها. المطلوب ليس فقط وقف إطلاق النار، بل وقف إعادة إنتاج السردية التي شرعنت العنف وأقصت الأغلبية.
إن إعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة وعادلة ليست ترفًا فكريًا، بل شرطًا وجوديًا. تأسيس يقوم على الاعتراف المتبادل بين الشعوب، وعلى عقد اجتماعي صريح، وعلى توزيع عادل للسلطة والثروة، وعلى تحييد المؤسسة العسكرية عن الاقتصاد والسياسة، وعلى تفكيك الامتيازات التاريخية التي حوّلت الدولة إلى أداة في يد قلة. من دون ذلك، ستظل أي تسوية مجرد هدنة بين أزمات.
الحرب، في صورتها الراهنة، تكشف ما كان يُدار في الخفاء: أن الدولة لم تكن وطنًا جامعًا بقدر ما كانت إطارًا قانونيًا لاحتكار منظم. وأن السرديات التي قُدمت بوصفها مسلمات، لم تكن سوى أدوات لضبط الوعي ومنع مساءلة الأساس. لذلك فإن أخطر ما في هذه اللحظة ليس فقط الدمار المادي، بل احتمال أن تنجح السرديات القديمة في إعادة إنتاج نفسها بثوب جديد.
إن الخروج من هذا النفق يبدأ بإعادة تعريف السؤال. ليس: من ينتصر في الحرب؟ بل: أي دولة نريد أن نعيش فيها؟ دولة تُدار بسردية مغلقة، أم دولة تُبنى على اعتراف مفتوح ومتبادل؟ الإجابة عن هذا السؤال هي الخطوة الأولى نحو تفكيك الأكذوبة الكبرى، واستعادة الحق في تأسيس وطن لا يقوم على التعمية، بل على العدالة.




