
براءة حامد
لم يشهد السودان في تاريخه المعاصر حقبة أكثر ظلاماً وخراباً من تلك التي حكم فيها الإسلاميون البلاد. فخلال ثلاثة عقود من السيطرة، حوّلوا مؤسسات الدولة إلى مزارع خاصة للفساد والتمكين، وانتهكوا الدين قبل أن يدّعوا حمايته، وأفسدوا السياسة حين زعموا أنهم يطهرونها. والنتيجة أن السودان وجد نفسه غارقاً في الحروب، معزولاً عن العالم، مفككاً اقتصادياً، وممزقاً اجتماعياً.
لقد سقط المشروع الإسلاموي لأن جوهره لم يكن بناء دولة، بل إقامة سلطة. لم يكن هدفه العدالة، بل الغلبة. مارسوا التمكين باسم الدين، واحتكروا المال العام باسم الشريعة، وحوّلوا الجيش إلى أداة قمع ضد المواطنين بدل أن يكون حارساً للوطن. إنها مأساة لم يكن فيها الضحايا فقط من الأحياء، بل من القيم والمبادئ نفسها.
لكن انهيار تجربة الإسلاميين لا يجب أن يُقرأ فقط كصفحة حزينة في تاريخ السودان، بل كفرصة تاريخية للشعب السوداني ليبدأ من جديد. فالمستقبل ينبغي أن يُبنى على نقيض الماضي، عبر حكومة تأسيسية جديدة تتجاوز كل أخطاء الإسلاميين وتؤسس لدولة مدنية تقوم على المواطنة والعدالة.
أولاً، يجب فصل الدين عن السياسة بشكل واضح وصارم، فاستغلال الدين لأغراض السلطة كان أصل البلاء. وثانياً، لابد من المحاسبة والعدالة الانتقالية حتى لا يفلت المجرمون من العقاب، لأن العدالة ليست انتقاماً بل تأسيسٌ للثقة بين الدولة والمجتمع. وثالثاً، يجب بناء مؤسسات وطنية مستقلة؛ جيش موحد، قضاء نزيه، وخدمة مدنية مهنية لا تعرف الولاءات الحزبية.
وعلى الحكومة التأسيسية القادمة أن تخاطب المجتمع الدولي بوضوح: الإسلاميون فقدوا شرعيتهم الأخلاقية والسياسية إلى الأبد. وأي محاولة لإعادتهم إلى المشهد هي إعادة إنتاج للحرب والانهيار. إن السودان الجديد يحتاج إلى دعم سياسي واقتصادي لمشروع سلام شامل يقوم على العدالة والمشاركة الواسعة والتنمية المتوازنة.
إن بناء السودان ليس مهمة داخلية فحسب، بل مسؤولية إقليمية ودولية، لأن استقرار السودان يعني استقرار القرن الأفريقي كله. السودان الجديد يجب أن يكون دولة سلام وشراكة ونهضة، لا دولة تمكين ودمار. فبهذا وحده يستعيد الشعب السوداني مكانته ويكتب فجره بيده، لا بيد الوكلاء ولا باسم الدين.




