
علي جاد الله
يعكس القرار رقم (5) لسنة 2026 الصادر لـ “حكومة السلام” في السودان حالة من التخبط الإداري والقانوني، حيث يفتقر إلى الأسس المنطقية لإدارة السياسة النقدية في ظرف المراحل انتقالية.
أولا، إشكالية التنفيذ الفوري والحظر المطلق (الفقرة 1) ينص القرار على حظر “مطلق وفوري” لتداول أو حيازة العملات الموقعة باسم (برعي). العملة في جوهرها هي (سند مالي) تضمنه الدولة. والإلغاء الفوري دون فترة سماح يحول مدخرات المواطنين إلى أوراق بلا قيمة في لحظة واحدة، وهو إجراء غير مسبوق عالمياً، حيث يتطلب تغيير العملة جداول زمنية واضحة لحماية القيمة القانونية للأموال.
ثانيا، معضلة التمييز بين التوقيعات في (الفقرة 2)
إذ يعتمد القرار التفرقة بين توقيعي (جنقول) و(برعي) كمعيار للشرعية. من الناحية العملية، يستحيل على المواطن العادي، خاصة في مناطق في المدن أو الريف، التدقيق في التوقيعات المجهرية على الأوراق النقدية لفرز “المُجِرم” من “المبرئ للذمة”. هذا المطلب يحول المعاملات اليومية البسيطة إلى مخاطرة قانونية جسيمة.
ثالثا، التجريم بأثر رجعي والمهددات الأمنية (الفقرة 3) في القرار، يعد حيازة العملة “جريمة اقتصادية سيادية” تستوجب المصادرة والملاحقة الجنائية. يضرب هذا البند مبدأ قانونية الجرائم والعقوبات؛ فكيف يتم تجريم شخص اليوم على حيازة عملة كانت قانونية ومصدرة من جهات رسمية بالأمس؟ غياب “فترة التبديل” يحول المواطنين قسراً إلى مجرمين دون ارتكاب فعل جرمي، ويجعل من حماية الأمن القومي ذريعة لمصادرة أموال الناس بالباطل.
رابعا، غياب المؤسسات المنفذة (الفقرة 4)
القرار وجه المصارف والجهات الرقابية والعدلية بالتنفيذ الفوري. تطرح هذه الفقرة تساؤلاً جوهرياً: أين هي هذه المصارف؟ في ظل غياب بنك مركزي فاعل وقنوات مصرفية تغطي كافة أنحاء مناطق نفوذ حكومة السلام، يصبح القرار مجرد “حبر على ورق”. إن إصدار سياسات نقدية قبل استعادة الجهاز المصرفي هو وضع للعربة أمام الحصان.
خامسا، انعدام المرونة ومراعاة الظروف (الفقرة 5)، إن سريان القرار من تاريخ صدوره على الجميع دون استثناء، يعكس هذا البند “إرتجالية” واضحة؛ فالتشريعات المصلحية يجب أن تضع في اعتبارها الظروف اللوجستية والاجتماعية. الإصرار على التنفيذ “دون استثناء” ودون مراعاة للواقع المعيشي يؤكد أن القرار سياسي أكثر من كونه اقتصادياً تقنياً.
أخيرا، هذا القرار، بصياغته الحالية، هو قرار مستحيل التنفيذ ويضع السلطة المصدرة له في موقف محرج أمام المجتمع الدولي والمحلي. إنه قرار يفتقر إلى الحكمة المالية ويؤدي بالضرورة إلى زعزعة ما تبقى من ثقة في العملة، بل ويساهم في خلق أسواق سوداء وتعميق الأزمة الاقتصادية بدلاً من حلها. إن حماية الاقتصاد الوطني تبدأ بتأسيس بنك السودان المركزي واستعادة الثقة في النظام المصرفي، وليس عبر تجريم الحائزين على فئات ورقية كانت حتى الأمس القريب هي وسيلة التبادل الوحيدة المتاحة.




