
سيبويه يوسف
البيان الرئاسي المصري عقب زيارة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان يحمل في داخله متناقضات القاهرة الرسمية تجاه ما يحدث في السودان، حيث بدا البيان باحتفاءٍ مصري بخطوات الرئيس الأمريكي ترامب، ثم خطوات الرباعية لوقف الحرب، ولكن سرعان ما استأسد على وقائع الحرب والجغرافيا لانتزاع حقوق لا وجود لها في أرض الواقع.
وأكثر المتفائلين في ضرورة وجود إيجابي للقاهرة في النزاع السوداني تجتاحه صدمة ضعف إدراك الواقع السوداني الذي أفرزته حرب أبريل ٢٠٢٣، حيث لا تزال القاهرة الخديوية تنظر إلى السودان كحديقة خلفية تمنحها أسباب الحياة، وتمد شرايين اقتصادها بالمنح المجانية، وتظل حرب السودان تمثل أكبر فرصة لنهب موارده، وأيضًا ارتهانه من أجل قضاياها المصيرية في قضية سد النهضة والعديد من القضايا الإقليمية، بعد أن تزحزحت مصر من الريادة الأفريقية والعربية.
الآن تنظر القاهرة بعين عوراء إلى قضايا الشرق الأوسط بعد اختلال الموازين وبروز قوى جديدة تتمثل في أدوار المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية، وفي مقابل فقرها الاقتصادي وجمع تناقضات الأحلاف وأهدافهم السياسية والاستراتيجية في إقليم مشتعل، مصر الآن تفقد روح المبادرة، وترتهن فعلها السياسي على ردود الأفعال الآنية، بما يجعل العالم يظن بأنها قادرة على قلب البوصلة.
البيان المصري، لمن يتمعن عباراته، يتخيل أنه صادر من القرن الثامن عشر، وأن قوات الأتراك لا تزال تتجول في سنار وفازوغلي، وتتبعهم قوات الأرناؤوط، وبالتأكيد هذا الخطاب تجاوزه الشعب السوداني بكل أطيافه بعد أن اكتشف أن هذه الحرب تنهض ضد ثرواته وقدراته، وأن هذه الحرب تنال من استقلاليته ووحدته.
تتحدث القاهرة عن وحدة السودان، وبكل بجاحة تستعمر أراضيه في حلايب وشلاتين وأبورماد، وتستغل حربه وتتوغل مزيدًا في داخل الأراضي السودانية، وتستغل حربه لتفتح أكبر مجزر في أفريقيا في منطقة توشكي لتصدير اللحوم السودانية في غفلة من شعبه وبالمجان.
الموقف المصري الراهن يثبت بأن القاهرة لا تزال على مواقفها القديمة، تستنهض روح الخديوي من أجل فرض وصايا على السودان على قميص (عثمان) البواب، وعلى إرث الباشاوات، إرث يتجدد على خطوات البرهان المنكسرة على بوابات حدائق القبة، ولا يعلمون أن هناك سودانًا جديدًا يتشكل على تأسيس سودان لا يعرف الخنوع ولا الانحناء



