رأي

السودان: انهيار العملة أم انهيار اقتصادي شامل؟

صالح السليمي

 

صالح السليمي

منذ اندلاع الحرب في السودان، يتداول الرأي العام مصطلح “انهيار الجنيه السوداني” باعتباره المؤشر الأبرز للأزمة، وكأنّ تراجع العملة هو لبّ المشكلة وجذر المأساة الاقتصادية. غير أنّ الواقع أعمق وأخطر من ذلك بكثير. فما يواجهه السودان اليوم ليس مجرد أزمة نقدية أو انهيار عملة، بل انهيار اقتصادي شامل في بنياته الإنتاجية والإدارية والمؤسسية، تغذّيه الحرب، ويفاقمه الفساد، وتغيب عنه الرؤية الوطنية الموحدة للخروج من الأزمة.

أولًا: مفهوم أزمة اقتصادات الحروب – عالميًا وسودانيًا

اقتصادات الحروب هي تلك التي تتشكّل وتُدار في ظل الصراع المسلح، حيث تتحوّل الموارد والإنتاج والقرارات إلى خدمة المجهود الحربي بدل التنمية. في مثل هذه الاقتصادات، تُهدر الطاقات الإنتاجية، وتُستنزف الموارد في التسلّح، وتتآكل الثقة في الدولة والمؤسسات.

في السودان، تكرّس هذا النمط منذ عقود. فمنذ حرب الجنوب ثم دارفور، وصولًا إلى الحرب الأخيرة بين الجيش وقوات الدعم السريع، أصبح الاقتصاد رهينة للبندقية، والموازنة العامة تُدار بمنطق الطوارئ لا بمنطق التنمية. توقفت عجلة الإنتاج الزراعي والصناعي، وتراجعت الصادرات، وتحوّل رأس المال الوطني إلى تجارة العملة والتهريب والأنشطة الطفيلية.

اقتصاد الحرب لا ينتج ثروة، بل ينتج فوضى منظمة تخدم طبقة صغيرة من المنتفعين الذين يعيشون على استمرار الصراع. في هذه الحالة، تُصبح العملة الضحية الأولى، لكنّ الانهيار الحقيقي يقع في قلب منظومة الإنتاج، في التعليم، في الصحة، وفي الثقة المجتمعية نفسها.

ثانيًا: الفرق بين انهيار العملة والانهيار الاقتصادي الكامل

انهيار العملة يعني ببساطة فقدان قيمتها الشرائية مقارنة بالعملات الأجنبية، نتيجة لعوامل مثل التضخم، انخفاض الاحتياطات من النقد الأجنبي، أو ضعف الصادرات. ورغم خطورته، إلا أنه يمكن احتواؤه بإصلاحات نقدية ومالية شاملة إذا كانت بنية الاقتصاد الأساسية سليمة.

أما الانهيار الاقتصادي الشامل فهو حالة أعمق وأشد تدميرًا، تشمل توقف الإنتاج، انهيار الخدمات، فقدان الثقة في المؤسسات، وهروب رؤوس الأموال والعقول. في هذه الحالة، لا تعود العملة سوى مرآة تعكس تدهور الاقتصاد الكلي، لا سببه المباشر.

بعبارة أخرى، يمكن أن تنهار العملة ويظل الاقتصاد حيًا كما يحدث في بعض الدول الناشئة، لكن لا يمكن لاقتصاد ميت أن يُنقذ عملته من الموت البطيء. وهذا بالضبط ما يعيشه السودان اليوم: انهيار في الإنتاج أولًا، ثم في العملة كنتيجة لاحقة لا سببًا أصيلًا.

ثالثًا: متى يُسهم انخفاض العملة في زيادة الصادرات والنمو؟

في الاقتصاد السليم، يؤدي انخفاض العملة الوطنية إلى تحفيز الصادرات لأنها تصبح أرخص في الأسواق الخارجية، ما يزيد الطلب على السلع المحلية. هذا ما حدث في دول مثل الصين وفيتنام عندما استخدمتا سياسة خفض العملة لتحفيز الإنتاج الصناعي والتنافسية العالمية.

لكنّ هذه القاعدة لا تنطبق في اقتصاد الحرب. فحين تنخفض قيمة العملة دون وجود إنتاج حقيقي أو صادرات قائمة، تتحول الفائدة النظرية إلى كارثة عملية. لأنّ انخفاض الجنيه السوداني لم يجعل المنتجات السودانية أرخص في الخارج فحسب، بل جعل المواد الخام المستوردة أغلى، ورفع تكاليف النقل والطاقة، وأغلق المصانع التي تعتمد على الواردات.

إذن، انخفاض العملة يمكن أن يكون أداة للنمو إذا وُجد اقتصاد إنتاجي، لكنه يصبح سيفًا على رقبة الشعوب عندما يكون الاقتصاد استهلاكيًا ومنهارًا كما هو حال السودان.

رابعًا: انخفاض العملة المصحوب بانهيار اقتصادي شامل – الداء الفتّاك

عندما يتزامن انهيار العملة مع انهيار اقتصادي شامل، كما في السودان، تتحول الأزمة من مشكلة نقدية إلى مأساة وطنية. فانخفاض الجنيه ليس مجرد رقم في سوق الصرف، بل إعلان عن عجز الدولة عن حماية قوت شعبها. الأسعار تتضاعف يوميًا، الدخل يتآكل، والمدخرات تتبخر. ومع غياب مؤسسات الدولة، يتحول الاقتصاد إلى سوق سوداء يتحكم فيها أمراء الحرب وتجار العملة والمهربون.

في مثل هذه الظروف، تتسع الفجوة بين رأس المال الطفيلي والعمال والفلاحين، وتُستبدل العدالة الاقتصادية بالنهب المنظم. إنّه شكل من أشكال الانهيار الأخلاقي والاجتماعي الذي لا يُقاس بالناتج المحلي الإجمالي، بل بمعاناة الإنسان.

خامسًا: حين تكون العملة ضعيفة والاقتصاد قوي – دروس من فيتنام وميانمار

تُقدّم تجارب بعض الدول الآسيوية نماذج معاكسة للمشهد السوداني. فـفيتنام على سبيل المثال، تملك عملة ضعيفة (الدونغ)، لكنها تمتلك اقتصادًا قويًا ومتناميًا بفضل قاعدة إنتاجية واسعة، وتكامل بين الزراعة والصناعة والتكنولوجيا. كذلك، ميانمار رغم تواضع عملتها، استطاعت تحقيق نمو مستقر عبر دعم القطاعات المنتجة وتحسين بيئة الاستثمار.

الدرس هنا واضح: ليست قوة العملة معيارًا لازدهار الاقتصاد، بل قدرة الدولة على خلق الثروة وإدارتها بعدالة وكفاءة.

أما في السودان، فضعف العملة يعكس ضعف الدولة لا ضعف الجنيه ذاته. فالعملة ليست سوى “شهادة صحة” للاقتصاد، وإذا كان الجسد عليلًا، فمهما تم تجميل الأرقام، يبقى المرض قاتلًا.

سادسًا: أزمة السودان – انهيار شامل للعمليات الإنتاجية

تتلخص مأساة السودان الاقتصادية في انهيار شامل للعمليات الإنتاجية بسبب الحرب، الفساد، وسوء الإدارة. توقفت الزراعة في معظم الولايات، انهارت الصناعة، هرب رأس المال الوطني، وتحوّل القطاع المصرفي إلى وسيط مضاربات بدلاً من تمويل التنمية. كما إنّ غياب الرؤية الاقتصادية، وتنازع السلطات، واستحواذ العسكر والمليشيات على الموارد، جعل من الاقتصاد السوداني ساحة للفوضى لا للإصلاح. لم يعد للدولة قدرة على جباية عادلة أو توزيع منصف للثروة، وأصبح المواطن هو الضحية الدائمة بين مطرقة الغلاء وسندان الحرب.

ما يحدث اليوم ليس أزمة ظرفية يمكن معالجتها بتغيير سعر الصرف أو ضخ الدولار في السوق، بل هو انهيار هيكلي يتطلب إعادة تأسيس كاملة للدولة الاقتصادية على أسس جديدة:

• وقف الحرب وإصلاح مؤسسات الدولة واستقلال البنك المركزي.

• توجيه الموارد للإنتاج لا للحرب.

• محاربة الفساد والاحتكار.

• وتبني مشروع وطني جامع لإعادة بناء الثقة في الاقتصاد والمجتمع معًا.

خاتمة

إنّ السؤال الحقيقي ليس: هل انهارت العملة؟ بل: لماذا انهار الاقتصاد؟

فالعملة لا تنهار وحدها، وإنما تسقط معها كل منظومة القيم والإنتاج عندما تفقد الدولة عقلها الاقتصادي. وما لم يُنهِ السودان حربه ويبدأ بإعادة بناء مؤسساته على أسس مدنية ديمقراطية، فإنّ أي حديث عن “استقرار العملة” لن يكون سوى وهم رقمي فوق أنقاض وطن منهك.

إنّ التعافي الاقتصادي يبدأ بتعافي الدولة نفسها، من الحرب، من الفساد، ومن عقلية الغنيمة التي حوّلت السودان إلى مزرعة للأقوياء. فبغير إصلاح شامل، سيظل الجنيه يهبط، وسيظل الوطن يغرق في أزمته التي هي في جوهرها أزمة إدارة وعدالة، لا أزمة نقد فقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!