
سمية النور دهب
لم تكن البلاد بحاجة إلى معجزة لتفادي المأساة التي تعيشها اليوم، بل كانت بحاجة فقط إلى قدر يسير من التعقّل، وإرادة صادقة تفضّل مصلحة الوطن على رغبات اقتسام النفوذ. في الأسابيع والساعات التي سبقت اندلاع الحرب، تهيأت البلاد لالتقاط أنفاسها الأخيرة قبل الانفجار. كانت هناك محاولات جادة لرأب الصدع، واتصالات مكثفة خلف الستار، ومفاوضات متقدمة كانت تقف على مسافة خطوة واحدة من صناعة اتفاق يعيد للبلاد توازنها ويمنع السقوط في الهاوية.
لكن تلك الفرصة ضاعت. ضاعت لأن من كان يمتلك القدرة على تمرير الاتفاق اختار طريقاً آخر تماماً؛ طريقاً يرى في الحرب مخرجاً، وفي السلاح وسيلة، وفي الخراب فرصة. لقد تمّ دفع الأطراف دفعاً نحو المواجهة، وإغلاق كل المسارات التي كان يمكن أن تعيد الأمور إلى نصابها الصحيح. لم يكن من قبيل الصدفة أنّ كل جهد صادق نحو التسوية كان يُجهض في اللحظة الحرجة، وكأنّ هناك من ينتظر انهيار الجدار ليعلن انتصاره على الوطن نفسه.
كان يمكن للبلاد أن تجنّب هذا المصير المرير. كان يمكن أن تواصل مسار الانتقال السياسي، وأن تستعيد مؤسساتها المختطفة، وأن تخرج بسلام من مأزق الانقلاب وصراعاته. غير أنّ القوى التي لم تستطع أن تتعايش مع فكرة التغيير ظلت تعمل بلا توقف لإسقاط أي محاولة تقود إلى الاتفاق الوطني. وبكل وضوح، اختارت هذه القوى توجيه البلاد نحو الحرب باعتبارها الخيار الأخير لمواجهة فشلها، وإعادة إنتاج سلطتها بوسائل القوة لا بوسائل السياسة.
اليوم، تُحصد نتائج ذلك القرار على أجساد المدنيين. المدن التي كانت تنبض بالحياة باتت ركاماً، والقرى تحولت إلى أطلال، والناس بين قتيل ومشرّد وجائع ومريض. الأطفال الذين كانوا يمرحون في الأزقة باتوا رهائن القصف والجوع، والنساء اللواتي كنّ عماد البيوت أصبحن يتنقلن بين مخيم وآخر بحثاً عن الأمان. آلاف الضحايا سقطوا بلا ذنب، ليس لأن الحرب كانت قدراً لا فكاك منه، بل لأن هناك من دفعها دفعاً لتكون واقعاً.
وليس أبشع من الحرب نفسها سوى استمرارها بلا أفق. فالجهة التي أرادت اشتعالها لا تزال متمسكة بنارها، لا ترى فيها مأساة وطن وإنما وسيلة لإعادة تموضعها في المشهد. هذا الإصرار على إحراق البلاد يدفع بها اليوم نحو احتمال تفكك أجزاء جديدة من الجسد الوطني، بعد أن فُقد الإحساس بالمركز، وتشوّهت الثقة بين الناس، وتهشمت جسور الانتماء.
الأزمة الأخلاقية هنا أكبر من الأزمة السياسية. فحين يصبح الدم وسيلة للحكم، وحين يُختزل الوطن في مشروع جماعة واحدة، وحين تُعلّق حياة ملايين الناس على قرار فرد واحد، فذلك يعني أنّ الدولة انحدرت إلى مستوى يفوق الخطورة. إنّ ما يجري اليوم ليس نزاعاً على الشرعية ولا خلافاً على إدارة الدولة؛ إنه صراع بين من يرى الوطن بيتاً للجميع، ومن يراه ملكية حصرية لا يستحق أحد مشاركته فيها.
لكن رغم ذلك، تبقى الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها: البلاد كانت قابلة للنجاة، وما تزال. فالسلام الذي كان قاب قوسين قبل الحرب، يمكن أن يكون قاب قوسين بعدها أيضاً، إذا وُجدت الإرادة السياسية التي تعترف بالخطأ، وتقبل بمبدأ الشراكة، وترفض عقيدة الإقصاء والحرب. إنّ استعادة الوطن تبدأ بالاعتراف بما حدث، وبمن تسبب فيه، وبكيف ضُيّعت تلك اللحظة الفاصلة التي كان يمكن أن تمنع كل هذا الخراب.
هذه ليست دعوة للبكاء على الأطلال، بل دعوة لامتلاك الشجاعة. الشجاعة في مواجهة الحقيقة، في كسر دائرة العنف، وفي إعادة بناء ما تحطم. فقد أثبتت التجربة المريرة التي نعيشها اليوم أنّ الحرب لا تنتج سوى المزيد من الحرب، وأنّ الأرواح التي أُزهقت، والدموع التي سُكبت، والأحلام التي ضاعت—كلها ثمن لقرار كان يمكن ألا يُتخذ.
وإذا كان الماضي قد ضاع، فالمستقبل لا يزال ممكناً. لكن هذا المستقبل لن يأتي ما لم نتعلم الدرس: لا خلاص لوطن تُدار مصائره بالعنف، ولا استقرار لبلاد تُختطف إرادتها في العتمة. إنّ الخروج من هذا النفق يبدأ من إعادة الاعتبار لفكرة الوطن، وطن لا يحكمه الحديد ولا يحدده السلاح، بل تبنيه الشراكة، ويحرسه التعايش، ويقوده العقل والحكمة قبل أي شيء آخر.




