
السودانيون بين الجهل والتجهيل
عبدالرحمن العمرابي
عضو مؤسس في تأسيس، وعضو تجمع السودانيين المستقلين
ليست مأساة السودان في قلّة الوعي، بل في كثرة من يتعمدون صناعة الجهل باسم الوعي، وتغليف التجهيل برداء الفكر، واستخدام الخطابات التعبوية أداةً لتوجيه الناس لا لتحريرهم. فالجهل حالة يمكن تجاوزها بالعلم والتجربة والانفتاح، أما التجهيل فهو مشروعٌ مستمر لتجميد العقل ومنع النهوض، تمارسه قوى تبحث عن النفوذ وتعيد إنتاج ذاتها جيلاً بعد جيل بأقنعةٍ جديدة وأسماءٍ براقة.
في السودان، تحوّل الخطاب العام إلى أداة من أدوات التجهيل الجمعي. كثير من المتحدثين باسم “الحق” أو “الدين” أو “الثورة” أو “العدالة” لا يسعون إلى تحرير الإنسان، بل إلى تعبئته لخدمة مشروعٍ ضيق، سواء كان سياسياً أو دينياً أو عقائدياً أو إثنياً. يتحدثون بلغةٍ تعبوية تحشد العواطف وتُخدر العقول، فيتلقف الناس شعاراتٍ عالية النبرة فارغة المعنى. ولو كره أحدهم فكراً أو توجهاً، فلماذا لا يأتي بالبديل الذي يتوافق مع وجدان السودانيين وواقعهم؟ لماذا لا يُبدع مشروعاً وطنياً نابعاً من هذه الأرض بدل أن يستورد قوالب فكرية غريبة عنها؟
لقد صار السودانيون يتأرجحون بين فكرٍ إسلاميٍّ مشوّهٍ لا يمثل جوهر الإسلام، وطرحٍ ماركسيٍّ مغايرٍ للماركسية نفسها. كلاهما انفصل عن الواقع السوداني، وكلاهما جُرّب حتى الملل ولم يُنتج سوى الانقسام. أصبح الناس ضحية تجهيلٍ مقصودٍ أو عبثيٍّ يتراوح بين مرجعية ابن تيمية وغرامشي، وهم لا يعرفون هذا ولا ذاك، بل يرددون ما يسمعون بلسانٍ وعقلٍ كعقل الببغاء — دون فهمٍ ولا تمحيصٍ ولا تجربةٍ نابعة من ذاتهم.
الأدهى أن بعض من يُحسبون على الفكر والفلسفة شاركوا في ترسيخ هذا التجهيل، بصمتهم أو بتواطئهم. لم يضف أحدهم إلى الفلسفة الإنسانية ما يعكس تجربة السودان، بل انشغلوا بالنقل والتكرار والتمجيد. يستوردون الأفكار الجاهزة من مجتمعاتٍ مغايرة، ويُسقطونها على واقعٍ لا يشبهها، فيزيدون الناس ضياعًا باسم الفكر. كثير منهم لا ينطلق من مقصدٍ إنساني، بل من دافعٍ نفسي أو طموحٍ سلطوي أو موقعٍ اجتماعي. يرفعون شعارات الدفاع عن الحقوق، وهم يدفعون المجتمع إلى الفرقة. إنهم يلبسون ثوب الوعي وهم أوّل من يطفئون نوره.
الواقع السوداني اليوم يغاير منطق التطور الحتمي الذي تعرفه الأمم. فبينما تتقدم الشعوب بتراكم المعرفة، نجح السودان في إعادة تشغيل عجلة الزمن إلى الوراء. فبعد أن برز رواد الاستقلال حاملين لواء التحرر من القبلية والجهوية والاثنية، جاءت الطائفية لترتكب الجريمة الكبرى: الانتكاس إلى ذات ما حورب من أجله. ثم جاء حكم نميري، بيساريته، لمحاولة القضاء على الطائفية والمركز القبلي، فاستبدلها بنظامٍ جديد يحمل بذور الاستبداد ذاته. ومع سقوطه، ظهرت الإسلاموية لتعيد إنتاج التسلط بلباس الدين، ثم حين فشلت في إدارة التنوّع، جمعت بين الدين والقبيلة في ثوبٍ واحد. فكانت النتيجة عودة السودان إلى النقطة الأولى، ولكن بوعيٍ مشوشٍ وخطابٍ أكثر انقساماً.
الأغرب من كل ذلك أن كثيرين ممن عادوا البعض بالأمس تدثروا اليوم بثوب الصديق، يرفعون ذات الشعارات التي حاربوها بالأمس. فهل هذا نفاقٌ أم تبدل ما ظنناه مبادئ؟ لقد انقلبت المواقف لا بحثاً عن الحق، بل طمعاً في مكاسب الحروب ومواقع النفوذ. والأدهى أن بعض الناس صدّقوا هذا التحول المصطنع، فتمادى المنافقون في غيّهم وهم يظنون أن الذاكرة قد ماتت. لكنّ الذاكرة الوطنية لا تموت، و”الغرابيل” ما زالت تعمل — فالزمن كفيلٌ بفضح الزيف، والغربال شغّال، وإن خُدع البعض في زمنٍ ما، فلن يُخدع الجميع في كل الأزمان.
وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه: هل في هذا البلد من يُقدّم الحلول ويرسم خارطة الطريق، ليقود أهل السودان إلى برّ النمو المدعوم بالمعرفة والعلم؟ أم أن أكثر من في الساحة اليوم لا يفعلون سوى تأجيج نار الفتنة، مستبدلين التعايش بالاختلاف، وما يجمع الناس بما يفرقهم؟ لقد صار الصوت العاقل يُتهم بالضعف، وصاحب الرؤية يُخون، حتى أصبح العمل من أجل البناء ضرباً من المثالية، بينما يُكافأ من يهدم بحجة الثورة والتصحيح.
إن السودان لا يحتاج إلى مزيدٍ من الصراخ أو الشعارات، بل إلى فكرٍ أصيلٍ نابعٍ من روحه، لا من تكرار ابن تيمية أو غرامشي، ولا من تناقض الأيديولوجيات المستوردة. يحتاج إلى مشروعٍ معرفيٍّ يعيد الاعتبار للعقل، ويؤسس لنهضةٍ إنسانية تضع الإنسان قبل الأيديولوجيا. فمن دون وعيٍ ناضج، تبقى الحرية وهماً، والوحدة شعاراً، والتنمية حلماً بعيداً. إن معركة السودان الحقيقية ليست معركة سلاح أو سلطة، بل معركة وعيٍ ضد التجهيل — معركة فكرٍ من أجل بقاء الوطن.




