رأي

السودان بين العلمانية والمدنية: طريق ثالث بروحٍ سودانية

البروفيسور عبدالرحمن العمرابي

 

عبدالرحمن العمرابي

عضو مؤسس في “تحالف تأسيس” وعضو تجمع السودانيين المستقلين

في السودان، لا يزال سؤال الهوية السياسية والفكرية مطروحاً بإلحاح: هل يسير السودان نحو العلمانية أم المدنية؟ سؤال يبدو في ظاهره فكرياً، لكنه في حقيقته صراع على من يملك تعريف الوطن، ومن يحق له احتكار الإيمان والعقل معاً. فمنذ فجر الدولة الحديثة، ظل السودان يتأرجح بين مشروعين متناقضين في الشكل، متشابهين في الجوهر؛ أحدهما ديني يرفع شعار الحاكمية باسم الله مستورد من مصر، والآخر علماني وافد أوربي يسعى إلى استنساخ تجارب لم تنبت في أرضه. وبين هذين التيارين، ظل الوعي الشعبي السوداني يتشكل في اتجاه ثالث، أكثر قرباً من فطرته وتاريخه، وهو ما يمكن تسميته بـ”العلمانية السودانية ذات الطابع المدني”.

فالعلمانية في معناها الغربي نشأت في أوروبا لمواجهة تغوّل الكنيسة واستبداد رجال الدين، لكنها حين وصلت السودان جاءت بلا عدو طبيعي، لأن السودان لم يعرف في تاريخه كنيسة تحكم، ولا مؤسسة دينية تتسلط على الدولة قبل المهديه. لذلك بدت العلمانية الوافدة فكرة غريبة على البنية السودانية، ترددت بين المثقفين ولم تجد طريقها إلى الناس وبعدت عن اللائكيه . فالنخبة التي تعلمت في المدارس الاستعمارية أو الجامعات الغربية حاولت ترجمة العلمانية على طريقتها، لكنها وقعت في فخ التقليد، لا الفهم. فرفضها المجتمع، كما رفض من قبل المهدية حين فرضت الدين بالسيف، لأنه رأى فيها صوتاً غريباً لا يشبهه.

لكن الحقيقة التي أغفلتها النخبة، أن العلمانية ليست بالضرورة فكراً مستورداً، بل كانت جزءاً من الممارسة السودانية الأصيلة منذ القدم. فالسودانيون فصلوا بطبعهم بين التدين الفردي وإدارة شؤون الحياة، فالقاضي كان يحتكم إلى العُرف، والمجالس القبلية كانت تفصل في النزاعات على أساس الحكمة والعادات والتقاليد والعرف الذي يختلف من منطقه لآخري لا النصوص، والدين ظل مرجعاً أخلاقياً لا سلطة سياسية. لم تكن الحياة السودانية محكومة بالكهنوت، بل بالعقل الجمعي والإيمان الهادئ، أي أنها كانت تمارس العلمانية في معناها الإنساني الطبيعي دون أن تُسميها كذلك.

وحين تحولت السلطة في العقود الأخيرة إلى أداة لقهر الناس باسم الدين، انفجر الغضب الشعبي لا رفضاً للإسلام، بل رفضاً لتشويهه. فارتبطت في أذهان السودانيين كل سلطة ترفع شعار الدين بالاستبداد كما كان الحال بصوره مختصره في حكومه الخليفه التعايشي، وكل من يتحدث باسم الله بالفساد والإقصاء. عندها، تبنّى البعض خطاب العلمانية لا حباً فيها، بل كرهًا في من أساؤوا إلى الإسلام او ادعاء الأقدميه. وتحولت الكلمة من مشروع فكري إلى رد فعل انتقامي ضد تجربة الإسلامويين. وفي المقابل، تبنّت بعض النخب لفظ “المدنية” لتجنب الحساسية التي تثيرها كلمة “العلمانية” التي عرفها المجتمع بانها اللايكيه، فصارت المدنية في الخطاب العام تعني ببساطة: لا عسكرية ولا كهنوت. لكنها في جوهرها، إذا تحررت من الخوف والمزايدات، ليست سوى شكلٍ سوداني للعلمانية المعتدلة، يحترم الدين ولا يجعله وسيلة للحكم وهذا ما فشل في فهمه المسيطرين علي صمود.

وهكذا، فإن السودان لم يعرف يومًا العلمانية الغربية المتطرفة التي تفصل الدين عن الحياة، ولا الدولة الدينية على النمط الكنسي الأوروبي أو الإخواني المصري التكفيري. بل عرف نمطًا فريدًا من التوازن، حيث يعيش الإيمان جنبًا إلى جنب مع الحرية، والدين مع العُرف، والمجتمع مع الدولة. فالمجتمع السوداني في جوهره لا ديني ولا علماني، بل مدنيٌّ متدين بطبيعته، يميل إلى الاعتدال ويرفض الغلو من أي طرف.

إن العلمانية السودانية الممكنة ليست إنكارًا للدين، بل تحررًا من استغلاله، وليست قطيعة مع التراث، بل استعادة لجوهره الإنساني. إنها دعوة إلى دولة تحكمها المؤسسات والقانون لا النصوص المؤدلجة، وتستمد أخلاقها من الدين دون أن تجعل منه دستورًا مغلقًا. وهي في الوقت ذاته ليست نسخة من النموذج الأوروبي، بل مشروع وطني ينتمي إلى تجربة السودان نفسه — بلد عرف التنوع الديني والقبلي، ونجح حين حكم بالضمير، وفشل كلما حاول أن يحكم باسم السماء أو الغرب معًا.

اليوم، يقف السودان بين طريقين متعبين: طريق الإسلاموية التي استنفدت زادها الأخلاقي، وطريق العلمانية المستوردة التي لم تجد جذورًا في المجتمع. وما بينهما، تتفتح ملامح طريق ثالث هو طريق المدنية السودانية — دولة تحترم الدين وتفصل بينه وبين السلطة، تستلهم القيم ولا تؤدلجها، وتجمع بين إيمان المجتمع وعقل الدولة.

إن مستقبل السودان لن يُصنع بشعارات الإقصاء، بل بوعيٍ جديد يدرك أن الدين والإصلاح والعقلانية ليست أعداء، بل شركاء في بناء دولة عادلة. فالعلمانية السودانية، إذا نُزعت عنها شوائب الاستلاب والخوف، ليست ضد الإسلام، بل ضد المتاجرة به، والمدنية ليست شعارًا ضد الجيش فحسب، بل مشروعًا لحكمٍ قائمٍ على القانون والمواطنة. وما بين الاثنين، يولد الأمل في أن يصبح السودان دولة تشبه أهله: متدينة بلا وصاية، حرة بلا فوضى، مدنية بلا قهر، وعلمانية بروحٍ سودانية….. انها العلمانيه السودانيه الجامعه للشعوب والقوميات ونابعه من الجذور البنويه للسودانيين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!