
عبد الرحمن ابو رندة..بنسلفانيا
عندما نتحدث عن استقلال السودان، لا يمكن فصل الفرح اللحظي عن المآلات التي تلته. فقد كانت النخبة السياسية التي قادت البلاد نحو الاستقلال غير مؤهلة لتشكيل دولة شاملة، ولم تمتلك بصيرة استراتيجية تجعلها تتجاوز الأزمات البنيوية التي أرخت بظلالها على الوطن. لم يكن الجيش حينها جيشًا قوميًا ولا الأحزاب مؤهلة لتكون قوياً سياسياً موحداً، بل كانت كلها امتدادات لهيكل الدولة ما بعد الاستعمار، تعمل في خدمة مصالح محددة بينما ظلت الهوامش والأرياف والكتلة الحرجة بعيدين عن المشاركة الفعلية في السلطة والثروة والقرار السياسي.
الاستقلال لم يكن ناقصًا فحسب، بل كان تعبيرًا عن النخب المركزية التي وظفت الدولة لخدمة أصحاب الامتيازات التاريخية. لقد غاب العدالة في التوزيع، واستمرت السياسات المهيمنة على الموارد والإدارة في تعزيز الفجوة بين المركز والهامش، وهو ما شكل قاعدة لاستمرارية التفاوتات والانقسامات التي أعاقت بناء دولة قوية ومؤسساتية. حتى القوانين والدساتير التي وُضعت لم تكن أداة لدمقرطة الحكم أو لتعزيز المساواة، بل كانت آليات لضبط السلطة ضمن إطار النخب الحاكمة.
القوى المدنية والسياسية، التي كان يفترض أن تكون الدعامة الأساسية للدولة الوليدة، كانت في واقع الأمر معطوبة، عاجزة عن وضع استراتيجيات واضحة لتعزيز الاستقرار الوطني أو تطوير مؤسسات حقيقية تمثل الشعب بأكمله. الفشل في تأسيس أحزاب وطنية قوية، والافتقار إلى قيادة سياسية واعية لمصالح البلاد العليا، أضعف إمكانية قيام مشروع وطني متكامل، وجعل البلاد عرضة للانقلابات والصراعات الداخلية منذ أول لحظة بعد الاستقلال.
الجيش، الذي كان من المفترض أن يكون الضامن للوحدة الوطنية، لم يكن مؤهلاً لتحقيق ذلك. لم يُبنى على أسس وطنية أو مهنية حقيقية تمكنه من حماية الدولة والشعب، بل أصبح أداة في يد من يسيطر على السلطة، يستخدمها أحيانًا لفرض إرادته على المدنيين وإجهاض التجارب الديمقراطية الناشئة. ونتيجة لذلك، تحولت التجربة السودانية إلى دورة مستمرة من الحروب الأهلية والفشل التنموي والانقسامات المتكررة، بما في ذلك انفصال الجنوب، ثم النزاعات المتلاحقة التي أرهقت البلاد طوال العقود السبعة الماضية.
أما المواطن العادي فقد ظل بعيدا عن القرار السياسي، ومعزولًا عن السلطة والثروة، بينما تركزت الموارد في يد قلة محدودة، مكرسة بذلك إرثًا من التهميش التاريخي. وقد فشلت النخب السياسية في سد هذه الهوة، ولم تتوفر رؤية شاملة لتطوير سياسات عادلة وشاملة، ما جعل السودان يعاني من أزمة مشروع الدولة نفسها، وأدى إلى ضعف المصداقية بين المواطن والدولة، وهو ما جعل البلاد أكثر هشاشة أمام الانقسامات الداخلية.
لكن رغم كل هذا الخراب، يبقى الأمل قائمًا. فالسودانيون لم يفقدوا القدرة على النهوض؛ فالمجتمع لديه جذور متينة من التضامن والشراكة، موجودة في القرى والأحياء، في المؤسسات الأهلية والصوفية، وفي المجتمعات المدنية. هذه الشبكات المجتمعية تمثل الركيزة الحقيقية لأي عملية إصلاح. فحين تتحرك المكونات المحلية معًا، يصبح بالإمكان تجاوز آثار الانقسامات، وإعادة بناء علاقة حقيقية بين الدولة والمواطن، تقوم على العدالة والمساءلة والمساواة.
الاستحقاق المؤجل اليوم يكمن في بناء عقد اجتماعي جديد، لا يدار من فوق، ولا يخضع للوصاية العسكرية أو النفوذ الخارجي، وإنما يقوم على مشاركة حقيقية لكل فئات المجتمع. السودان بحاجة إلى مشروع وطني جامع يعيد توزيع السلطة والثروة، ويضمن الحقوق المدنية والسياسية لكل السودانيين، ويحمي مستقبل البلاد من العودة إلى دورات الفشل نفسها. المطلوب هو وضوح البوصلة، وصلابة الإرادة، واتساع دائرة الراغبين في رؤية السودان حراً، موحدًا، ومزدهرًا.
إن فجر الخلاص قادم لا محالة، مهما تعاظمت التحديات. الأجيال التي عاشت المعاناة والظلم على مدار سبعة عقود تستحق أن ترى وطنها ينهض، وأن يستعيد مشروعه الوطني الكامل. فالسودان، بقوة شعبه وعزيمته، قادر على تجاوز إرث الفشل وبناء مستقبل يليق بتاريخ البلاد، وتاريخ شعبها الذي طالما عانى، لكنه لم ييأس.




