
نجم الدين دريسة
“إن السلام الذي لا يزرع العدالة، يثمر حربًا مؤجلة.” نيلسون مانديلا
في الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات الدولية المنادية بوقف الحرب في السودان، تبدو الرباعية عاجزة عن إحداث اختراق حقيقي في المشهد السياسي السوداني، رغم ما تبديه من حراك دبلوماسي متزايد. فالمبادرة، التي يعلّق عليها كثيرون آمالهم، تواجه مأزقًا بنيويًا مرتبطًا بتركيبتها نفسها، وبالأطراف المتناقضة التي تحاول جمعها على طاولة واحدة.
فمصر، على سبيل المثال، وهي إحدى الدول الفاعلة في الرباعية، تنحاز بوضوح إلى طرف الجيش، وتبدو غير راغبة في إنهاء الحرب لاعتبارات استراتيجية مرتبطة برؤيتها التاريخية تجاه السودان، حيث ظلّت حالة عدم الاستقرار تصب في مصلحتها الجيوسياسية. أما الجيش السوداني ذاته، فهو كيان مختطف من قبل التيارات الإسلامية التي ترفض أي تدخل أو وساطة من الرباعية، الأمر الذي ظهر جليًا في زيارة وفده إلى الولايات المتحدة وما تبعها من مواقف متناقضة داخل أروقة السلطة العسكرية.
هذا الارتباك في المواقف يكشف أن الجيش لا يمتلك مركز قرار واحد، بل تتنازعه الأجنحة الإسلاموية المختلفة التي تتصارع فيما بينها على الشرعية والسلطة، مما يجعل أي اتفاق قادم هشًا منذ لحظة توقيعه. وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة:
هل يمكن لاتفاق تأسس على هذا الواقع المأزوم أن يصمد؟
وهل ستحضر أجندة التأسيس الحقيقية في أي تسوية قادمة، أم أننا أمام إعادة إنتاج لأزمات الماضي تحت عناوين جديدة؟
الحقيقة التي لا مناص منها أن إسكات صوت البندقية لا يعني الوصول إلى سلام حقيقي، فالأزمة السودانية أعمق من صراع مسلح بين قوتين، إنها أزمة هوية وحكم وتنمية وعدالة اجتماعية. لذلك فإن المخرج لا يكون عبر تسوية فوقية، بل عبر طرح الأفكار والرؤى حول سؤال جوهري طال انتظاره: كيف يُحكم السودان؟
الإجابة عن هذا السؤال تمر عبر بناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على العقد الاجتماعي الثلاثي:
نظام فيدرالي يضمن توزيع السلطة والثروة،
علمانية تضمن الحريات وتحيّد الدين عن الصراع السياسي،
ومواطنة متساوية تصون التنوع وتحقق العدالة بين جميع المكونات.
التجارب السودانية السابقة أثبتت أن كل الحروب انتهت بالتفاوض، ولكنها لم تمس جذور الأزمة، بل عالجت نتائجها فقط، فكانت النتيجة سلامًا هشًا وحربًا جديدة بعد كل اتفاق.
إن الاعتراف بالآخر هو المفتاح الذي غاب عن النخب السودانية لعقود طويلة. فالعقلية الإقصائية المتعجرفة التي استهانت بإرادة الشعب هي التي قصمت ظهر الوطن، وحولت أحلامه في الدولة الحديثة إلى رماد.
في النهاية، إذا لم يتحول التفاوض إلى مشروع وطني شامل يجيب بوضوح عن سؤال “كيف يُحكم السودان؟”، فإن الحرب ستصمت يومًا، ولكنها ستعود في وجه آخر.



