رأي

الإدارة الأهلية وفترات الحكم فى السودان ونظريات المؤامره .

المحامي إسماعيل رحمة .. خبير المحكمة الجنايات الدولية

 

الاستاذ إسماعيل رحمة المحامي

جاءت تسمية الإدارة الأهلية لأول مرة في السودان فى عهد الاستعمار الإنجليزي (1899- 1956م)بغرض التمييز بين الحكم الأهلي (الادارة الاهلية) والحكم الأجنبي (الإستعمار الانجليزى) وظلت التسميه مستمرة الى يومنا هذا رغم التغيرات الحكوميه الكثيرة بعد الإستقلال . ولكن فى التاريخ القديم تسمى الإدارة الأهلية ب (إدارة العشائر او القبائل ) منذ عهد السلطنات القديمة فى مملكة سنار وتقلي والمسبعات وشرق السودان وخلال فترة حكم دولة المهدية و كذلك خلال فترة حكم سلطنة دارفور

والسبب فى التسميه (إدارة العشائر أو القبائل ) يرجع الى شروط مهمه جدا يجب توافرها :- ١.حيازة الارض (حقوق الملكية التاريخيه على الأرض ) وهذه الأرض تعرف بمسميات مختلفه حسب الاعراف والتقاليد لكل مجموعه عشائريه أو قبليه وأشهر التسميات تعرف ب( الدار و الحاكوره ) حيث ان الدار ترتبط بإسم السلطنه وشهرتها واما الحاكورة فهى ارض تخصص لقبيلة ما داخل ارض السلطنه وفق حق المصير المشترك والعيش المشترك. ٢.إعتماد نظام الوراثة فى تعيين زعماء الإدارة الأهلية وقد إنحصر التعيين بالوراثه داخل القبيله التى يرجع لها الفضل فى تأسيس هذا النظام لإدارة شئون العشائر والقبائل داخل هذه الأرض.

ماهى مسئوليات الادارة الاهلية:-

١.تقوم بحفظ الأمن والنظام داخل القبيلة والقبائل الأخرى المجاورة لها. ٢.فض النزاعات والخلافات بين الأفراد داخل القبيله والجماعات الاخرى وتعتمد على القضاء الأهلي وهو مايعرف ب القانون العرفي( الاعراف والتقاليد والموروثات الاجتماعية) ٣.البناء الإداري يترتب على حسب المسئوليات والتسميات وتختلف هذه المسميات من مكان إلى آخر وأشهر هذه التسميات الإداريه هى ( سلطان .ملك . ناظر. مقدوم . مك . ديمنقاوي. شيخ . فرشه شرتاي .عمده) رجال الادارة الاهلية يجب أن تتوفر فيهم صفات لاتتوفر فى الشخصية العادية وهذه الصفات هى ( الكرم والشجاعة وعفة اليد واللسان والإنضباط والإلتزام والحكمةوسعة الصدر والأفق والقدرة على اقناع الخصوم في القبول بالحكم الصادر و كاريزما الشخصية القياديه مع الحياديه والإستقلاليه) في كثير من الأحيان نلاحظ أن أحد الأبناء تتوفر فيه هذه الصفات من خلال مجالسته لأبيه فيصبح الإبن وارث للمنصب وتختلف الوراثه من جهة الأب والام أو من جهة الاب فقط او من جهة الام فقط وهذا يتم تحديده حسب نظام الوراثه المعتمد والصفات التى يجب توافرها للتفاضل بينهم فى حالة المنافسه .

هذه الصفات الحميده جعلتهم محل ثقة ورضاء وقبول وسط القبيلة وذويهم وعشيرتهم ما بقوا أحياء ولا يتم تغييرهم إلا في ظروف إستثنائية خاصة مثل تقدم السن والعجز أو ارتكاب الجريمة التى تمس الشرف والأمانة)

ومع فجر استقلال السودان لعب زعماء الإدارة الأهلية دورا سياسيا وطنيا خالصا سجلته دفاتر التاريخ فقد شارك بعض منهم في الجمعية التأسيسية(البرلمان) عام 1955م من ضمنهم الناظر/ عبدالرحمن دبكة ناظر عموم قبيلة بني هلبة وهو المعروف عنه أنه أول من نادى باستقلال السودان من مقعده داخل الجمعية التأسيسية.

واستمرت الإدارة الأهلية كمؤسسه أهليه عشائريه في أداء رسالتها ومهامها بكل تجرد ومسؤولية كما ظل قياداتها محافظون على سلطاتهم القضائية والإدارية والمالية ولا تنحصر حدود مسؤولياتهم هكذا فحسب بل امتدت لمساعدة جميع الأنظمة الوطنية الحاكمة المتعاقبة في حدود سلطاتهم كالعمل على تحصيل الضرائب بأشكالها المختلفة

( ضريبة الأطيان وضريبة القطعان) وتحصيل الزكاة خاصة فى مجال المواشي.

ماهى أسباب ضعف وتراجع دور الإدارة الأهلية:- (١).التمرد على التراث وثقافة الأجداد والعادات والتقاليد .

(٢).تسيس الادارة الاهلية بواسطة الأنظمة الحاكمة وإستغلال رجال الادارة الاهلية .

(٣).اصدار قوانين بنزع الارض بواسطة الدولة واصدار قوانين بفصل وتعيين رجال للادارة الاهليه موالين للانظمة الحاكمة

(٤).كثرة الحروب والصراعات القبليه والتعدي على الارض والزراعه دون علم وإذن من رجال الادارة الاهلية .

(٥).بعض النخب المركزيه بعد الاستقلال أظهرت معاداتهم لنظام الإدارة الأهلية وساهموا فى اصدار اجراءات وقوانين الغرض منها تفكيك نظام الادارة الاهلية.

(٦).أسوا فترات اضعاف نظام الإدارة الأهلية هى فترة حكم المؤتمر الوطنى والحركة الاسلامية حيث جاءت بسياسات الترهيب والترغيب حسب مصلحة وخدمة النظام الحاكم وإتبعت سياسات إفقار رجال الادارة الاهلية وجعلتهم يعتمدون على بعض الفتات من الحكام فى الولايات كما فرضت عليهم منهج دينى يجعل من رجل الادارة الاهلية يقوم بدور المبشر الرسالي للجهاد والسمع والطاعه للحاكم وتنفيذ تعليماته .

رؤية اصلاح نظام الإدارة الاهلية في السودان

لا توجد رؤية واحدة لإصلاح الإدارة الأهلية في السودان بل تختلف الآراء بين من يرى ضرورة إحيائها وتحديثها لتكون شريكًا فعالًا في التنمية وإدارة شؤون المجتمع المحلي من خلال هياكل حديثة تدمج التقليدي والحديث لمواكبة عصر المعلومة وتقدم التكنلوجيا وبين من يراها نظامًا متخلفًا وإرثًا استعماريًا يجب تجاوزه لصالح الدولة الحديثة.

ماهى حجج المؤيدين لإصلاح الإدارة الأهلية وتحديثها:

(١)سد الفجوات التنموية:

يمكن للإدارة الأهلية أن تلعب دورًا هامًا في سد الفجوات التنموية خاصة في المناطق الريفية حيث قد لا تكون مؤسسات الدولة حاضرة بقوة.

(٢)الاستفادة من الخبرات المحلية:

توفر الإدارة الأهلية آلية للاستفادة من الخبرات المحلية والروابط الاجتماعية في حل المشكلات المجتمعية وتعزيز الاستقرار.

(٣)دمج الهياكل التقليدية مع الحديثة:

يمكن تحديث نظام الإدارة الأهلية ليتناسب مع المتطلبات العصرية والتكنولوجيا ودمجها مع الهياكل الرسمية للدولة لضمان تكامل الجهود.

(٤)تعزيز المشاركة المجتمعية:

يمكن أن تعزز الإدارة الأهلية المشاركة المجتمعية في صنع القرار وتنفيذ المشاريع التي تؤثر على حياة الناس.

ماهى حجج المعارضين أو المشككين في

الإدارة الأهلية:

(١)ترسخ الروابط التقليدية والقبلية:

يرى البعض أن الإدارة الأهلية تمثل تكتلًا قبليًا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالولاء التقليدي وهو ما قد يتعارض مع مبادئ المواطنة والمساواة في الدولة الحديثة .

(٢)تسييس الإدارة الأهلية:

تاريخيًا تم استغلال الإدارة الأهلية من قبل الأنظمة السياسية لتعبئة الجمهور وتجنيد المقاتلين مما أدى إلى تسييسها وتشويه دورها.

(٣)الارتباط بالتخلف:

وصفها بعضهم بأنها حارس أمين للتخلف والتبعية لأنها تستند إلى ولاءات قديمة قد تعيق التقدم الاجتماعي.

التحديات التي تواجه إصلاح الإدارة الأهلية:

(١)الاستقرار السياسي والسيادي:

أي إصلاحات يجب أن تأخذ في الاعتبار الوضع السياسي العام في السودان وأن تكون جزءًا من رؤية وطنية شاملة.

(٢)الموازنة بين التقليديه والحداثة:

يتطلب الإصلاح إيجاد توازن دقيق بين احترام الثقافة والتقاليد المحلية وبين تطبيق مبادئ الحوكمة الحديثة وسيادة القانون .

(٣)تجنب تسييس الإدارة الأهلية:

من الضروري ضمان استقلالية الإدارة الأهلية عن التدخلات السياسية لتؤدي دورها التنموي والاجتماعي بفعالية.

حقائق تاريخيه

الحقيقة التاريخيه هي ان الادارة الاهلية سبقت الاستعمار التركي والانجليزى وبالتالى هى كانت قائمة ومسئوله من شئون الناس والأرض وتتبع النظام الفيدرالي فى إطار توزيع الموارد البشرية والطبيعيه(السلطنه والحاكورة والدار والفأس وغيرها من مسميات حيازة الأرض ) فإن القول بأن الادارة الاهلية من صنيعة الإستعمار قول مردود ولكن الحقيقه فى المسكوت عنه هو أن الإستعمار وجد الإدارة الأهلية قائمة كنظام حكم محلى أهلى ولذلك حاول إستغلالها والإستثمار فيها من حيث تقليل تكاليف الصرف والميزانية حول الإدارة والإشراف على مناطق إنتشار الإدارة الأهلية.

قبل دخول الاتراك والانجليز للسودان كانت الإدارة الأهلية كنظام حكم محلي أهلي منتشرة فى جميع أنحاء السودان من الشمال الى الجنوب ومن الشرق الى الغرب ولكن بمرور الوقت تلاحظ إختفاء نظام الإدارة الأهلية فى شمال السودان واجزاء من وسط السودان رغم أن الاستعمار الإنجليزي كان قد خطط لتأسيس برلمان شعبي من خلال تكوين المجلس الاستشاري لشمال السودان ١٩٤٨م تمهيدا لإستلام مقاليد الحكم الذاتي ١٩٥٣م كحزب مكون من رجال الادارة الاهلية ووجهاء المجتمع من التجار وصغار الموظفين وفي المقابل تعمد الانجليز بتطبيق سياسة المناطق المقفوله في كافة انحاء السودان(دارفور وكردفان والجنوب والنيل الأزرق والشرق ) ومنعهم من المشاركة في حكم شئون بلدهم (نظرية المؤامرة وعزل المجتعمات بقرارات عنصريه ) وتعود أسباب إختفاء نظام الإدارة الأهلية فى شمال السودان واجزاء من وسط السودان الى ظهور طبقة صغار الموظفين وتكوين الاحزاب المركزيه التى سيطر عليها أبناء الشمال والوسط النيلي وهم الجهة الوحيدة التى حاربت نظام الإدارة الأهلية خلال فترة الاستعمار وخلال فترة الحكومات العسكرية .

أسباب ضعف الادارة الاهلية

١.تعرضت لإصدار قرار بحلها وإلغاءها فى زمن حكم نظام الرئيس إبراهيم عبود ١٩٥٨ إلى ١٩٦٤م .

٢.فى فترة حكم نظام الرئيس جعفر نميري صدر قرار بحل الادارة الاهلية وإنشاء الحكم المحلى واصدار قانون الاراضي الغير مسجله ١٩٧٠ بنزع حيازة وسيطرة رجال الادارة الاهلية على الأرض.

حجم المؤامرة ضد نظام الإدارة الأهلية

الانجليز استخدموا رجالات الإدارة الأهلية ضد مايعرف بالقوى الحديثه والمستنيرين وبعض الاحزاب المتحالفه مع المصريين وخاصة بعد ظهور حركة ١٩٢٤م (اللواء الابيض حركة علي عبداللطيف ) ولذلك حصل تحول كبير فى السودان عندما أصدر الانجليز قانون الإدارة الأهلية ١٩٢٧ وبموجبه تم منح رجال الادارة الاهلية سلطات الحكم المحلي ومنع مشاركة الاحزاب او المستنيرين والقوى الحديثه ولذلك قام التحالف القوي بين رجال الادارة الاهلية والاحزاب التقليديه وهذا كان له الأثر الكبير فى تحقيق الإستقلال فى ١٩٥٦ بإقتراح من رجال الادارة الاهلية الناظر عبدالرحمن دبكه من دائرة منطقة (عد الغنم ) جنوب دارفور وهذا الإستقلال تحقق بعد التفاهمات و الإتفاق الذى تم مابين حزب الأمة والحزب الوطنى الذى تراجع عن فكرة وحدة وادي النيل والإتحاد أو الوحدة مع مصر . ولكن بدأت نظرية المؤامرة وحجم الإستهداف ضد نظام الإدارة الأهلية بعد ثورة اكتوبر ١٩٦٤م حيث نجح الحزب الشيوعي(حزب المستنيرين والقوى الحديثه والجبهة المعاديه للإستعمار ) والذى ظل يسوق مقولة (الإدارة الأهلية صنيعت الاستعمار ) نجح الحزب الشيوعي فى السيطرة على النقابات وتكوين مايعرف ب ( جبهة الهيئات) برئاسة الشفيع أحمد الشيخ رئيس اتحاد العمال فى السودان حيث قدم الحزب الشيوعي طلب بحل نظام الإدارة الأهلية ولكن بعد نقاش مستفيض فى البرلمان السودانى ١٩٦٤ الى ١٩٦٩م لم يتم الفصل فى الطلب والتوصيه ولكن تحقق طلب الحزب الشيوعي بعد نجاح إنقلاب الرئيس جعفر نميري والذى بدأ يساري شيوعي وذهب الى تنفيذ مطالب الحزب الشيوعي وأصدر قرار بحل الادارة الاهلية وقانون الاراضى الغير مسجله فى ١٩٧٠م وتحققت نظرية المؤامرة ضد نظام الإدارة الأهلية من جهة مايعرف ب المستنيرين والقوى الحديثه والحزب الشيوعى .

خلال الفترة من ١٩٨٩ انقلاب عمر البشير الى ٢٠١٩م سقوط نظام الحركة الاسلامية شهدت الإدارة الأهلية أسوأ مراحل الضعف والتدهور والإستغلال والتفكيك خلال هذه الفترة ولأول مرة فى تاريخ السودان يتم تسيس نظام الإدارة الأهلية لصالح النظام الحاكم وشهدت مناطق الادارة الاهلية فى غرب السودان صراعات قبليه بينيه بين المجتمعات المحليه من نظرية المؤامرة وفرق تسد والفتنه هذه الأدوات التى تستخدمها الحركة الاسلامية فى إضعاف وتفكيك المجتمعات ومن المسكوت عنه أن حزب المؤتمر الوطنى إتخذ سياسة ضرب حواضن حزب الأمة الانتخابيه فى غرب السودان ووسط السودان حيث ظل حزب الأمة يسيطر انتخابيا على هذه المجتمعات من خلال العلاقة القويه التاريخيه بين حزب الأمة والادارة الأهلية.

التوصيات:-

(١).الادارة الاهلية نظام عشائرى أهلي يقوم على الوراثه والإستقلالية وله حق المسئولية الجغرافيه على الأرض بجميع قبائلها دون تمييز وفق حق المصير المشترك والعيش المشترك والوئام الاجتماعى.

(٢).إنشاء سلطة قضائية بدرجة محكمة بصلاحيات قاضى مقيم مستقله تجمع مابين العادات والتقاليد والموروثات الاجتماعية وتطبيق القانون حسب مقتضيات النزاع .

(٣)فى عصر التكنلوجيا لابد من الحوكمه والشفافيه وذلك عبر تحسين الشفافيه وإتاحة البيانات والمعلومات المتعلقه بنظام الإدارة الأهلية للجمهور .

(٤)ضرورة تعزيز المساءلة وتجاوز مسألة حصانة أعيان الإدارة الأهلية وذلك عبر وضع آليات واضحه لمساءلة المسئؤولين المحليين بما فيهم رجال الادارة الاهلية.

(٥)إشراك المواطنين وتعزيز مشاركة المواطنين فى عمليات صنع القرار على كافة مستويات الإدارة الأهلية.

(٦)بناء القدرات والتدريب والتطوير لأفراد الإدارة الأهلية وتوفير تدريب وتأهيل منتظم ودمج هذا العمل مع التكنلوجيا والإستفادة منها فى تبسيط العمليات الإدارية والتواصل عبر شبكات التواصل .

(٧) شفافية ميزانيات الإدارة الأهلية وجعل ميزانيات الحكومات المحلية شفافه ومرنه وسهلة الوصول .

(٨) بناء شراكات من أجل التعاون بين الإدارة الأهلية فى جميع عموم البلاد وتعزيز الشراكات والتواصل مع الجهات ذات الاختصاص والمنظمات غير الحكومية والمجموعات المجتمعيه .

وبالله التوفيق(مبدأ المصير المشترك والعيش المشترك والوئام الاجتماعى السلمى بين جميع مكونات المجتمعات المحلية وإحترام الدستور و سيادة حكم القانون والعرف والعادات والتقاليد والموروثات وروح النظام العام والآداب والقيم الإنسانيه النبيله والأخلاق الفاضله لإدارة شئون الناس والمجتمع )

الأستاذ إسماعيل أحمد رحمه المحامي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!