رأي

حين يتحوّل الدين إلى أداة سلطة: لماذا أصبح إبعاد الإخوان ضرورة وطنية؟

عبد الرحمن ابو رندة ... بنسلفانيا

 

عبدالرحمن أبو رندة – بنسلفانيا

في مشهد سياسي مثقل بالتناقضات، يبدو الحديث عن إبعاد جماعة الإخوان المسلمين من الحياة السياسية ليس نزعة إقصائية، بل خياراً وطنياً عقلانياً تمليه دروس الواقع وتجارب التاريخ القريب. فالفكرة لا تتصل بالرغبة في محو تيار ديني من المشهد، بل في حماية الدولة والمجتمع من مشروعٍ أثبت عجزه عن التعايش مع مفاهيم الدولة الحديثة، واحترام القوانين، والتعامل مع الدين باعتباره قيماً ومبادئ، لا سلطةً ومطمعاً.

لقد قدّمت تجربة الإسلاميين في السودان مثالاً صارخاً على اختطاف الدين وتطويعه لخدمة سلطة سياسية مغلقة. تحولت الدولة إلى مؤسسة عقابية، تضيق على الناس باسم الشريعة، وتوزع امتيازاتها على قلة من الموالين، بينما تُقصي الأغلبية وتُفقِرهم باسم الفضيلة. كانت النتيجة مجتمعاً منقسماً، ومؤسسات منهارة، واقتصاداً محتجزاً بين الفساد والاستبداد، وكراهية اجتماعية غذّتها خطابات التكفير والتخوين والتمييز.

لم يكن الخلل في الدين، بل في من جعلوا من فهمهم الخاص له سُلطة مطلقة لا تُسأل. فبدلاً من أن يكون الإسلام منارة للحرية والعدل، جرى استخدامه لتبرير الانتهاكات والهيمنة، ولتحصين الفساد باسم الطهر، والبطش باسم «التمكين». هكذا أُفرغت الدولة من معناها الوطني، وارتدت عباءة أيديولوجية تقوم على الولاء لا الكفاءة، والمذهبية لا المواطنة.

إنّ الجماعات التي لا تؤمن بفكرة الدولة الوطنية الحديثة ولا تحترم المواثيق الدولية ولا تلتزم بقيم العدالة والمواطنة، لا يمكن أن تكون جزءاً من مشروع بناء الدولة. لأنّ من ينكر وجود الوطن كوطن، لا يمكن أن يكون شريكاً في صناعته. ومن يُعادي الديمقراطية، لا يمكن أن يكون حامياً للشورى.

إبعاد جماعة الإخوان من المشهد السياسي لا يعني محو التدين من المجال العام، بل تحرير الدين من قبضة التنظيم، واستعادة مكانته كقيمة إنسانية جامعة، لا كأداة للسيطرة والإقصاء. فالدولة لا تقوم على الإيمان الفردي، بل على التعاقد الاجتماعي الذي يحمي الجميع بعدلٍ ومساواة.

لقد آن الأوان أن نتحرر من أوهام الماضي، وأن ندرك أن الدين لا يحتاج إلى سلطة سياسية تحميه، بل إلى عدالة تُمكّنه، وإلى دولةٍ تحترم الإنسان باعتباره الغاية لا الوسيلة. فالإسلام الذي أضاء العقول في عصور الفكر والعلم، لا يمكن أن يُختزل في خطاب الكراهية أو في حكمٍ شموليٍّ يحاصر الحياة.

إنّ مشروع الدولة الحديثة، القائمة على المواطنة وسيادة القانون، هو الامتحان الحقيقي لأي فكرٍ أو تيارٍ ديني. ومن لا يستطيع أن يتعايش مع الحرية والمساءلة، فهو ضد روح الدين نفسه قبل أن يكون ضد الدولة. ولهذا، فإن إبعاد الإخوان من المشهد ليس خصومة سياسية، بل ضرورة وطنية لإنقاذ الدين من التسييس، وإنقاذ الدولة من التلاشي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!