رأي

السودان بين عنصرية الماضي وآمال الانعتاق: رسالة إلى الضمير الإنساني

آدم بركة دفع الله عطية

 

آدم بركة دفع الله عطية

يعيش السودان اليوم واحدة من أكثر مراحله التاريخية تعقيدًا وحساسية، مرحلة يمكن وصفها بأنها مسار للتحرر من إرث العنصرية والتمييز الذي كبّل البلاد لعقود طويلة، وأشعل في جسدها نيران التفرقة والظلم الاجتماعي. فقد أفرزت الحرب الدائرة واقعًا مشوهًا أفرز ما يُعرف بـ«سلطة بورتسودان»، التي لم تعد — في نظر كثيرين — سوى أداة بيد قوى داخلية وخارجية تسعى لتكريس الإقصاء والحفاظ على امتيازات فئة محدودة على حساب غالبية الشعب السوداني.

خلال الأسابيع الماضية، شهدت البلاد حملات ترحيل قسري وممارسات تمييزية طالت مواطنين من خلفيات مختلفة، في انتهاك صريح للحقوق الدستورية والإنسانية. ما نُقل عبر وسائل الإعلام لم يكن إلا جزءًا يسيرًا من صورة أوسع وأقسى، تُظهر منهجًا ممنهجًا للإقصاء والتنكيل، إذ زُجّ بالآلاف في السجون فقط لأنهم من مناطق أو مكونات لا ترضى عنها السلطات القائمة.

وشكّلت أحداث مستشفى عطبرة نموذجًا صارخًا لهذا الواقع المأزوم، حيث برز خطاب عنصري فادح من جهات يُفترض أنها تمثل الدولة. كما برزت مظاهر إزالة المساكن وتهجير السكان الأصليين من العاصمة تحت ذرائع إدارية واهية، إلى جانب حرمان مناطق بأكملها من التعليم والخدمات الأساسية، في تكرار لممارسات ظلت تؤجج الغبن وتعمّق الانقسام.

وتجاوزت الانتهاكات ذلك إلى الابتزاز والتحرش بالنساء في مواقع العمل، واستغلال ضعف القانون وغياب المساءلة. هذه الوقائع ليست أحداثًا معزولة، بل امتداد لنهج تاريخي ترسّخ منذ عقود، جعل التمييز جزءًا من الثقافة السياسية والاجتماعية الموروثة.

إننا أمام لحظة فارقة تتطلب وقفة من الضمير الإنساني، داخل السودان وخارجه، لرفض هذه السياسات التي تُهدد وحدة البلاد واستقرارها. ندعو المنظمات الحقوقية والهيئات الإقليمية والدولية إلى التحرك العاجل من أجل حماية المدنيين السودانيين وصون حقوقهم الأساسية، ووقف أي دعم سياسي أو عسكري أو مالي للجهات التي تمارس التمييز أو تغذّيه.

كما يتعيّن على الدول الأفريقية والمنظمات الإقليمية أن تتحمّل مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية في وقف تمويل سياسات الإقصاء، والعمل على ضمان حماية إنسانية عاجلة للمدنيين المعرّضين للترحيل القسري والاعتقال التعسفي.

إن مستقبل السودان لن يُبنى إلا على مصالحة وطنية شاملة تعيد الثقة بين مكوّنات المجتمع، وتؤسس لمواطنة متساوية وعدالة شاملة. ويتحمل الإعلام الحر والمجتمع المدني مسؤولية توثيق هذه الانتهاكات وكشفها للرأي العام، لأن الصمت عن الظلم تواطؤ معه، والحق لا ينتصر إلا بالمجاهرة به.

إن الخروج من دوامة العنصرية لا يكون إلا بترسيخ قيم المساواة والكرامة الإنسانية وسيادة القانون. فكل محاولة لإبقاء الناس أسرى لانتماءاتهم القبلية أو الجهوية ليست سوى خيانة لمستقبل السودان، الذي يستحق أن يولد من جديد وطنًا موحّدًا، كريمًا، تسوده العدالة والإنسانية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!