رأي

المدنية بين الشعار والمشروع: من يخدع من في السودان؟

سمية النور دهب..دبلن

 

سمية النور دهب.. دبلن 

لم يعد شعار «المدنية» في السودان مجرد مطلب سياسي، بل تحوّل – مع كثرة الترديد – إلى قناعٍ مريح تختبئ خلفه نخب قديمة، أعادت إنتاج نفسها مع كل انهيار أو حرب. المشكلة لم تكن يومًا في مفهوم المدنية نفسه، بل في اختزاله إلى صفة أخلاقية تُمنح لمن يرفعها شعارًا، وتُسحب ممن يُراد إقصاؤه، دون مساءلة جادة عن مضمون المشروع السياسي الذي يحمله هؤلاء «المدنيون».

منذ اندلاع الحرب، برز خطاب نخب الخرطوم عن الديمقراطية والانتقال، لكن من دون مساس حقيقي بجوهر الدولة الموروثة، أي دولة وكلاء الاستعمار، القائمة على المركزية، وتديين السياسة، واحتكار العنف، وإنكار العدالة التاريخية. هذه النخب لم تفشل في البلاغة، بل في طرح الأسئلة الصحيحة؛ إذ ظل سؤالها الجوهري: كيف نستعيد السلطة؟ لا: كيف نعيد تأسيس الدولة على أسس جديدة؟

في المقابل، تبرز مفارقة لافتة: أكثر المشاريع السياسية التصاقًا بالمدنية، بمعناها المؤسسي، خرج من قوى وُصمت طويلًا بأنها «مسلحة». فمشروع السودان الجديد، كما يطرحه تحالف تأسيس، لا ينظر إلى السلاح بوصفه نقيضًا للمدنية، بل بوصفه نتاج مقاومة دولة أغلقت المجال العام. وهو يقدّم برنامجًا واضحًا: علمانية تفصل الدين عن الدولة، ديمقراطية قائمة على المواطنة، لامركزية حقيقية، عدالة تاريخية، وبناء جيش وطني جديد خاضع لسلطة مدنيين.

الخلل في الخطاب السائد يكمن في تبسيط الصراع إلى مواجهة بين مدنيين وعسكريين، بينما الحقيقة أن الصراع بين مشروعين: مشروع يعيد إنتاج دولة وكلاء الاستعمار بواجهة مدنية، ومشروع يسعى إلى تفكيكها وإعادة بنائها. فالعسكري قد يكون جزءًا من مشروع تحرري، كما قد يكون المدني حارسًا لبنية التهميش ذاتها. المعيار ليس الزي ولا الشعار، بل البرنامج.

المدنيون الحقيقيون اليوم ليسوا أبناء الامتياز التاريخي، بل أولئك الذين تشكّل وعيهم من الهامش، والحرب، وانهيار الدولة: أكاديميون، نساء قياديات، شباب، قادة محليون، ومنظمات مجتمع مدني نشأت في ظروف النزوح لا في رفاه المركز. هؤلاء لا يروّجون مدنية زائفة، بل يمارسونها فعلًا يوميًا.

إن السودان لا يحتاج إلى شعارات ناعمة، بل إلى ثورة تأسيسية تعيد تعريف معنى السلطة والحقوق والمواطنة. فالمدنية ليست ما نعلنه في البيانات، بل ما نبنيه في بنية الدولة نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!