رأي

السودان بين إرث الماضي والهجرة نحو المستقبل 

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

منذ الاستقلال، ظل السودان يعيش مأزقًا عميقًا يربط بين تراكمات الماضي والمشاكل البنيوية في الدولة. الأزمة ليست مجرد خلاف سياسي أو انقلاب عسكري، بل صراع جوهري على معنى الدولة نفسها: ما هي، لمن تُبنى، وكيف تُدار. فالجيش، بصفته الموروث الأهم من الحقبة الاستعمارية، ظل عقبة أمام بناء الدولة المدنية. فقد وُلد هذا الجيش ليكون قوة انضباط وتحكم، وليس حاميًا لمصالح الوطن. وتربّى على الولاء للنظام لا للشعب، ليصبح في النهاية قوة فوق الدولة بدلاً من أن يكون خادمها.

الأحزاب السياسية لم تكن أكثر نجاحًا. فقد نشأت على أسس ضيقة: طائفية، وعقائدية، وأيديولوجية، وغالبًا ما كانت مرتبطة بخارج السودان. لم تُبنى على برامج واضحة أو رؤية وطنية شاملة، بل على الولاءات الشخصية والمناطقية. لذلك تحوّلت الحياة السياسية إلى صراع على السلطة والمصالح بدلاً من أن تكون ورشة لإعادة بناء الدولة. وكما يُقال: “حين يفقد المجتمع ثقته بنفسه، يفتح الباب للآخر ليعيد تشكيله.”

النتيجة: دولة بلا دولة، وجيش يتدخل في السياسة باسم حماية الوطن، وأحزاب عاجزة عن ممارسة الديمقراطية الحقيقية داخل صفوفها. كل محاولة لإقامة دولة حديثة تنهار أمام الانقسامات الطائفية والولاءات الضيقة، فتظل السلطة أداة للسيطرة لا للخدمة. كما قال الفيلسوف: “من لا يتعلم من التاريخ محكوم عليه أن يكرره.”

تتداخل هنا أزمات الجيش والأحزاب مع التدخلات الخارجية، فكل طرف يسعى لطلب الدعم والمساندة من الخارج لتعزيز موقفه الداخلي، ما يحوّل السودان إلى ساحة للتدخلات، ويزيد من ضعف الدولة واستمرار تبعية القوى السياسية. هذا الانسداد البنيوي جعل كل ثورة أو محاولة للتغيير عرضة للإجهاض، ودفع بالجيش إلى لعب دور المنقذ في كل مرة، إلا أنه غالبًا ما أعاد إنتاج نفس المشكلات التي حاولت الثورة تصحيحها. كما يُقال: “حيث تسكت القوانين، تتكلم البنادق.”

إرث الجيش الاستعماري لم يترك مساحة لبناء مؤسسات وطنية متماسكة. فالجيش الذي يُدخل نفسه السياسة يتحول في النهاية إلى عقبة أمامها. والأحزاب التي لا تمتلك برامج وطنية، بل تعمل على الولاءات الطائفية، تفشل في إنتاج مشروع وطني شامل. وهذا ما يجعل بناء الدولة الحديثة شبه مستحيل، ويُعيد إنتاج دورة الصراع نفسها، من انقلاب عسكري إلى احتجاج مدني، ثم استدعاء الجيش مرة أخرى باسم الإنقاذ.

الحل يكمن في تأسيس دولة جديدة تقوم على أسس عادلة ومستدامة، تضمن حقوق الجميع، وتستند إلى دستور قادر على التعامل مع التنوع والاختلاف. الدولة ليست حلمًا بعيد المنال، بل نتيجة لإرادة جماعية مدركة أن السودان لا يمكن أن يتقدم ما دام الجيش والأحزاب التقليدية يسيطرون على السلطة. فبدون إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، وفصل الجيش عن السياسة، ستظل البلاد أسيرة لدائرة الصراع المستمر. وكما يقول الحكماء: “الحرية لا تقوم على من يحكم، بل على كيف يُحكم.”

إعادة بناء الدولة الجديدة يعني فصل الجيش عن السياسة، وجعله مؤسسة مهنية خالصة خادمة للوطن، وليس سلطة فوقه. كما تعني بناء أحزاب وطنية برامجية، قادرة على إنتاج سياسات تنموية وعادلة، لا مجرد شعارات طائفية أو ولاءات شخصية. ويجب أن يشمل هذا المشروع صياغة دستور يعترف بتنوع السودان العرقي والديني والثقافي، ويضع آليات حقيقية لمشاركة المواطنين في الحكم وصنع القرار. وكما قال الحكماء: “السلطة بلا عدالة هي مجرد لصوصية منظمة.”

هذا المشروع الوطني الجديد يحتاج إلى المصالحة الوطنية، فالبلاد لا يمكن أن تنهض ما لم تتصالح مع ماضيها، وتتعلم من أخطاء الماضي. ويجب النظر إلى الاختلاف بوصفه مصدر قوة لا تهديدًا، وإعادة تعريف الانتماء إلى الدولة بوصفه عقدًا اجتماعيًا جامعًا، لا مجرد ولاء للزعيم أو الطائفة. وفي هذا الإطار، تتحقق العدالة الحقيقية، ويصبح الاستقلال أكثر من مجرد رفع علم، بل تحرر الوعي وبناء مؤسسات قوية ومستدامة. وكما قال أحد الحكماء: “الأوطان لا تبنى بالحراب، بل بالعقول والضمائر.”

السودان أمام مفترق طرق حاسم: إما الاستمرار في تكرار أخطاء الماضي، أو الانطلاق نحو تأسيس دولة جديدة على أسس عادلة ومستدامة. الحل ليس في الانقلابات، ولا في الأحزاب القديمة، بل في بناء نظام متوازن يعترف بتنوع البلاد، ويضع الجيش في مكانه الطبيعي كمؤسسة خادمة للشعب، ويؤسس الأحزاب على برامج وطنية حقيقية تعبر عن مصالح المواطن وليس الولاءات الضيقة. وعندها فقط يمكن أن يولد السودان الحقيقي، السودان الذي يحرر نفسه من إرث الماضي ويبدأ فصلًا جديدًا من تاريخ الأمة. وكما قال الحكماء: “الحرية لا تُعطى على طبق، بل تُنتزع بوعي يحميها وعدالة تصونها.”

إن الطريق إلى السودان الجديد طويل وشاق، لكنه ممكن، ويبدأ من إدراك الشعب لأهمية بناء دولة عادلة، وفصل الجيش عن السياسة، ووضع دستور يضمن الحقوق والمساواة، ويحتوي على أدوات لحماية الوطن من التدخلات الخارجية. هذه هي اللحظة التاريخية التي يجب أن يتخذ فيها الشعب موقفًا حاسمًا، ليكتب الفصل الجديد من تاريخ الأمة. السودان ليس بحاجة إلى المزيد من الانقلابات أو المزايدات، بل إلى مشروع وطني شامل، دولة مدنية قوية، وجيشًا محترفًا، وأحزابًا برامجية، ودستورًا يعبّر عن روح الشعب السوداني، قادر على تحقيق الاستقلال الحقيقي، والاستقرار، والتنمية المستدامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!