رأي

تحرير الفاشر: بوابة تأسيس الدولة أمضى وأوضح

إيمان بدرالدين

إيمان بدرالدين

تحرير الفاشر ليس مجرد حدث عسكري نُسجت حوله عناوين النصر؛ إنه لحظة مفصلية في مسار مشروعٍ وطنيٍ أعلن عنه أصحاب الرؤية، ويضع البلاد على طريقٍ جديدٍ للتأسيس إذا ما ترافق مع رؤية سياسية متوازنة وحماية مدنية فعّالة. من رمزية الفاشر إلى امتداد أثرها في كردفان وبقية الأقاليم، بات واضحًا أن المشهد الميداني بدأ يفرض معادلاتٍ جديدة تُعيد رسم خريطة القوة والشرعية في السودان.

لقد دفعت ترتيبات الساحة الميدانية بعض الفاعلين السياسيين والدبلوماسيين إلى إعادة قراءة موازين القوى؛ رفض بعض أجنحة القوات المسلحة لوقف إطلاق النار في اجتماعات واشنطن كشف عمق الانقسام في الموقف العسكري والسياسي، وما صاحب ذلك من تطورات ميدانية أدّت إلى سقوط بارا ومن ثم الفاشر خلال أيامٍ متتالية. هذا التتابع لم يكن صدفة بقدر ما كان ترجمةً لواقعٍ تاريخيٍ تبلور فيه الحسم الميداني كمعطى جديد لا يمكن تجاهله في أية صفقة أو تفاوض مستقبلي.

إن ما تحقق يفتح أبوابًا استراتيجية: ففتح الطريق نحو الأبيض وباقي محاور كردفان يعني أن موازين الإمداد والضغط قد تغيرت لصالح من حملوا مشروع التأسيس، لكن هذا الفتح لا يجب أن يُفسّر دعوةً للتوسع بدون ضوابط؛ بل يجب أن يتحوّل إلى فرصةٍ لتثبيت الأمن وإعادة الخدمات وتمكين الأهالي، وإلى مدخلٍ حقيقي للحوار السياسي الهادف إلى تأسيس مؤسساتٍ جديدة تُجسد مواطنةً عادلة.

لا بد هنا من التأكيد على نقطتين محوريّتين: أولاً، أن أي تقدّم ميداني لا يكتمل إلا بتأسيس آليات لحماية المدنيين وإعادة النازحين وتقديم الإغاثة، لأن الشرعية التي يقترن بها الانتصار لا تُبنى إلا على قاعدة إنسانية وسياسية واضحة. ثانياً، أن الموقف الدولي، الذي بدا متردّدًا أحيانًا، يحتاج إلى رسائلٍ واضحة تُظهِر من هم دعاة الحرب ومن يدعو للسلام؛ رفض بعض القيادات وقف إطلاق النار في اجتماعات دولية يجب أن يُفسر في ضوء هذا المعيار، لا أن يُغضّ الطرف عنه.

أما سياسياً، فمشروع التأسيس المعلن في وثيقة من ٣٢ بندًا يصبح اليوم أكثر واقعية إذا ما رُبط ببرامج عاجلة لإصلاح المؤسسات الأمنية، وفصلها عن الولاءات الضيقة، وبخريطة إعادة توزيع للخدمات والتنمية تعالج جذور التهميش. ليس المطلوب مجرد تبديل مواقع على الخريطة، بل بناء دولةٍ تحتكم فيها القوانين، ويسود فيها مبدأ المحاسبة بعيدًا عن الثأر والانتقام.

من زاوية رمزية، نهدي هذا النصر لأسر الشهداء وندعو بالشفاء للجرحى، مع الالتزام بأن تكون الذكرى ليست مجرد شعار بل دافعًا لسياساتٍ تعيد العدالة لأصحاب الحقوق. كما نؤكد على ضرورة أن تتجه الجهود نحو إنهاء أي ممارسات عنفٍ أو إقصاء، وتفكيك أي رواسب أيديولوجية أو شبكاتٍ استخدمتها أنظمةٌ سابقة في القمع أو الهيمنة.

ختامًا، تحرير الفاشر وفتح الطريق نحو كردفان وما وراءها يمثل ورقةً تاريخيةً إن أحسن الجميع استثمارها ستضع السودان أمام فرصة تاريخية لإتمام مشروع التأسيس. وإلا فستبقى الميادين ساحةً للصراع وليس منبرًا للبناء. المسألة الآن ليست في من يرفع الراية، بل في من يملك رؤيةً سياسيةً وإداريةً تجعل من النصر بداية دولةٍ حقيقيةٍ لا تميّز بين مواطنيها.

إيمان بدرالدين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!