
إيمان التجاني
«العدالة لا تُبنى على الانتقام، بل على الحقيقة والمسؤولية.»
«حين يختار القائد أن يكون صوت القانون، يختار الوطن أن يعيش.»
في لحظة تختلط فيها الدماء بالأمل، والأنقاض بالبدايات الجديدة، وقف الفريق أول محمد حمدان دقلو، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة السلام والوحدة، مخاطباً الأمة بخطابٍ حمل روح الدولة لا لغة الحرب، واضعاً أمام السودانيين معالم تحولٍ استراتيجي من زمن البنادق إلى عهد القانون والمؤسسات.
لقد شكّل تحرير مدينة الفاشر أكثر من نصرٍ ميداني؛ كان إيذاناً بفتح صفحة جديدة في تاريخ السودان، عنوانها الوحدة والسلام. وأكد دقلو في خطابه أن الفاشر ليست بوابة لانقسام البلاد، بل رمز لوحدة السودان أرضاً وشعباً، قائلاً بثقة: “لن نفرط في شبرٍ واحدٍ من أرض السودان، ولن نسمح لأحدٍ بتقسيمه.”
لكن الأهم من النصر، كما شدد القائد، هو حماية المدنيين وصون كرامتهم، مشيراً بوضوح إلى أن “المدنيين خط أحمر”، وأن أي تجاوز أو انتهاك سيواجه بالتحقيق والمحاسبة، وقد باشرت لجنة تحقيق أعمالها فعلاً في الفاشر. بهذا الموقف، وجّه دقلو رسالة عميقة بأن الحرب مهما بلغت، فإن القانون سيبقى المرجعية العليا، وأن الانتصار الحقيقي هو حين لا يتحول المنتصر إلى ظالم.
في خطابٍ متوازن جمع بين السياسة والإنسانية، أعلن دقلو التزامه الكامل برعاية أسر الشهداء، وتوفير التعليم والرعاية الصحية لأبنائهم، معتبراً ذلك ديناً في عنق الدولة لا منّةً منها. وأكد أن بناء جيش قومي واحد يخضع بالكامل للسلطة المدنية يمثل الركيزة الأساسية لدولة المستقبل، لأن “الجيش مهمته حماية حدود الوطن، أما الدستور فيحميه الشعب.”
ولعل أكثر ما منح الخطاب عمقه الإنساني تلك الدعوة الصريحة إلى عدم قتل الأسرى أو الانتقام، حتى من الإرهابيين الذين ارتكبوا فظائع ضد الأبرياء، مؤكداً أنهم سيُحاكمون وفق القانون. هذا المبدأ يُعيد الثقة في أن السودان يمكن أن يُدار بعقل الدولة، لا بانفعال الثأر، ويؤسس لعدالة انتقالية نزيهة تضع حداً لدورات العنف.
ولم يغفل دقلو الجوانب الإنسانية العاجلة، إذ دعا المنظمات الدولية والإقليمية إلى التحرك الفوري لإغاثة الفاشر، ووجّه قواته بإطلاق سراح أي مدني محتجز بغير وجه حق، مؤكداً أن الشرطة الفيدرالية هي المسؤولة عن أمن المدينة من الآن فصاعداً، وأن القوات العسكرية بدأت فعلياً الانسحاب التدريجي لإفساح المجال لسلطة القانون والنظام المدني.
كما أعلن عن بدء الفرق الهندسية في نزع الألغام وإعادة تأهيل الخدمات الأساسية، من كهرباء ومياه ومستشفيات، تمهيداً لعودة المواطنين خلال أيام، داعياً شباب الفاشر إلى أن يكونوا جنود الإعمار بعد جنود التحرير.
واختتم قائلاً: “نحن دعاة سلام، فرضت علينا الحرب، لكننا لن نحيد عن درب العدالة، وسنُعيد للسودان مكانته بين الأمم.”
بهذا الخطاب، تحوّلت الفاشر من ميدان معركة إلى رمز ولادةٍ جديدة للسودان، تُعلن أن السلام ليس شعاراً يُرفع، بل مسارٌ يُبنى بالصدق، والمحاسبة، وإرادة العيش المشترك.




