
سوما المغربي
لم يعد الصوت الذي يشق سماء السودان طنيناً يحمله الأثير لطائرة بلا طيار، بل أمسى علامة دالة على مسار خفي يتشكل بعيداً عن خطوط القتال المباشرة. طنين “مهاجر 6” لا يُسمع كصوت يجبرك على الجري للاحتماء منه، كما رأينا مقاطع لطفل في سهول دارفور يحتمي بشجرة صغيرة عندما رأى أجنحة الموت التي يُسيّرها فوقه “برهان_إيران”، وكان مشهدًا تقشعر له الأبدان، بل ما يحدث في حقيقته هو أثر ممتد لصفقة بدأت في غرف مغلقة وحسابات بنكية؛ ومن حسنات القدر أن تصنيف الإخوان في السودان بالإرهاب سلّط الضوء عليها، ليتم تتبعها وكشف توريد الموت من إيران إلى السودان، وتمت تعرية كيف تُصاغ التحالفات بلغة المصالح الصلبة، حيث الأرقام المالية وحدها هي التي تُسيّر الوقائع.
القصة التي ظهرت إلى السطح عبر خيوط قضية شميم مافي تكشف ما هو أبعد من حادثة قانونية أثارت جدل وسائل التواصل، نحن أمام شبكة إرهاب دولية تعمل بعقلية “التجميع الذكي” للتكنولوجيا، حيث تُشترى المكونات من أسواق مفتوحة، وتُعاد هندسة مساراتها عبر دول وسيطة، ثم تُضخ في منظومة إنتاج تعيد تصديرها كأدوات قتال. في هذه الدورة المعقدة، يتبدد الخط الفاصل بين المدني والعسكري، وبين التجارة والأمن، ليصبح السلاح نتيجة نهائية لسلسلة تبدو في ظاهرها عادية. وتصل المسيّرات من عمق إيران لتقتل الأطفال والنساء والشيوخ في أقاصي أطراف دارفور وكردفان، وتتبنى هلاك مواطن يبحث عن لقمة عيشه في سوق من القش والرواكيب، أو مريض في مستشفى يموت بلحظة هو وطبيبه، كما في الضعين وأبو زبد والفولة والجنينة، ومناطق يفاجأ مواطنوها، في لهو حياتهم ورهقها، بطنين أجنحة الموت الإيرانية.
وهناك، بمنظور آخر، الأهم هو أن السودان لم يعد مجرد محطة استقبال. المؤشرات المتراكمة توحي بأنه تحوّل إلى عقدة ضمن منظومة أوسع، تُستخدم لاختبار مسارات الالتفاف على العقوبات وإعادة تدوير التكنولوجيا المحظورة. هذا التحول يضعه في مواجهة غير مباشرة مع منظومات رقابية دولية لا تراقب فقط حركة السلاح، بل خرائط المال المرتبطة به، حيث يمكن أن يتحول كل تحويل بنكي إلى دليل إدانة.
وعلى الأرض، لا تظهر هذه الشبكات بصورتها الكاملة، لكن آثارها واضحة. تغيّر نسق العمليات، وتصاعدت القدرة على إصابة أهداف بعيدة، وظهرت تكتيكات لم تكن مألوفة في مراحل سابقة. هنا، لا تُقاس الفوارق بعدد الطائرات، بل بنوعية الأثر الذي تتركه؛ فضربة دقيقة في نقطة حساسة قد تعادل تقدمًا ميدانيًا كاملًا. هذه هي القوة الصامتة للتكنولوجيا حين تُدار من خلف الستار.
غير أن ما يثير الانتباه ليس التطور العسكري فحسب، بل التوقيت السياسي أيضًا. العودة إلى طهران لا تبدو خياراً اضطرارياً للبرهان بقدر ما هي استدعاء لذاكرة تحالف قديم متجدد مستمر للإسلامويين، يعيد ترتيب أولوياته وفق معادلة البقاء. في هذا السياق، يصبح السلاح أكثر من أداة؛ يصبح جسر عبور نحو اصطفاف جديد، حتى لو كان ذلك على حساب علاقات إقليمية كانت تُعد حتى وقت قريب خطوطا حمراء.
الحديث عن البحر الأحمر يضيف طبقة أخرى من التعقيد. هذا الشريان الحيوي لم يعد مجرد ممر مائي، بل ساحة تنافس مفتوحة. أي حضور خارجي فيه، حتى لو كان تحت غطاء فني أو لوجستي، يفتح الباب أمام إعادة رسم خرائط النفوذ في منطقة شديدة الحساسية. وهنا، لا يكون السؤال عن عدد المسيّرات، بل عن الثمن الاستراتيجي الذي يُدفع مقابل استمرار تدفقها.
أما التداعيات، فهي تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. حين تدخل الهيئات المالية الدولية على الخط، يتحول الملف إلى قضية تتشابك فيها السياسة بالقانون. تتبع الأموال قد يقود إلى فرض قيود جديدة، لا تستهدف المعدات فحسب، بل الأفراد والمؤسسات المرتبطة بها. وفي عالم تُدار فيه العلاقات عبر شبكات الثقة، فإن أي تصنيف سلبي قد يعزل أطرافًا كاملة عن النظام المالي العالمي.
في المحصلة، لا يمكن قراءة طنين “مهاجر 6” كصوت تقني محض. إنه تعبير عن لحظة تتداخل فيها الجغرافيا مع التكنولوجيا، لتتقاطع فيها المصالح المحلية مع الحسابات الدولية. السودان، في هذا المشهد، لم يعد مجرد ساحة صراع داخلي، بل نقطة تماس بين مشاريع نفوذ تتجاوز حدوده. وبينما تنشغل الأطراف بحسم المعركة على الأرض، يبدو أن السماء قد حُسمت بالفعل، ولكن لصالح من يملك مفاتيحها من بعيد لنعود ونضع تعريفات جديدة لمصطلح الإرهاب العالمي.
سوما المغربي
أبريل ٢٠٢٦



