
إيمان التجاني
“حين تُرفع رايات الدين فوق البنادق، يُسفك الحبر قبل الدم.”
“والوطن لا يُبنى بالولاء للعقيدة، بل بالولاء للإنسان.”
على مدار أكثر من ثلاثة عقود، تحوّل الجيش السوداني من مؤسسة وطنية تحمي الشعب إلى أداة تحمي جماعة عقائدية، حوّلت السلاح من وسيلة دفاع إلى آلية تسلط، ومن رمز للوطنية إلى أداة مشروع ديني وسياسي محدود. لم يعد الجيش يمثل المواطنين، بل صار يمثل مشروع جماعة اختطفت الدولة والقرار العسكري منذ سنوات طويلة.
كل انقلاب وكل حرب منذ ذلك الحين لم يكن مجرد صراع على السلطة، بل كانت إعادة إنتاج لنفس المنظومة الفكرية التي جعلت من الدين غطاءً للسيطرة ومن المؤسسة العسكرية منصة للتمكين. فالجيش المؤدلج اليوم لا يقاتل من أجل حماية السودان، بل من أجل حماية امتيازات قيادة مرتبطة بعقائد سياسية محددة، ومصلحة جماعية محددة.
في كل محطة تاريخية، كان الجيش يرفع شعارات «الوطن والدين» بينما يخفي أهدافه الحقيقية: تعزيز سلطة الجماعة، وتكميم صوت الشعب، وضمان بقاء شبكات النفوذ الاقتصادي والسياسي التي أقامتها الحركة الإسلاموية منذ البداية. ومنذ اندلاع الحرب الأخيرة، أصبح الواضح لكل مراقب أن استمرار الصراع يصب في مصلحة هذه الجماعة لا في مصلحة الوطن.
الجيش المختطف لا يتراجع أمام أي محاولات سلام، لأنه يرى أن استمرار النار يضمن استمرار الهيمنة. كل خطاب عن «السيادة الوطنية» أو «الكرامة العسكرية» هو في جوهره تبرير لإدامة سلطته الخاصة، وليس حماية المواطنين. أي اتفاق حقيقي للسلام أو استعادة الاستقرار يُهدد هذه الهيمنة، لذا نشاهد محاولات مستمرة للعرقلة عبر خطاب ديني أو سياسي مزيف، وتحريك قواعد الجيش وفق أجندة الجماعة لا وفق المصالح الوطنية.
الخطر الأكبر ليس في البندقية نفسها، بل في العقل الذي يوجّهها. فالولاء للعقيدة الأيديولوجية، بدل الولاء للدولة، جعل الجيش مؤسسة مكسورة داخلياً، حيث لا يهم المصلحة العامة، وإنما ما يخدم المشروع الحزبي الديني. هذه الحقيقة تشير إلى أن الإصلاح الجزئي لن يفي بالغرض، وأن أي محاولة لتعديل المسار داخل المؤسسة الحالية ستفشل، لأن الأسس الفكرية التي أقيم عليها الجيش منذ عقود ما زالت موجودة، متجذرة في قياداته وصفوفه.
إن الخلاص الحقيقي للسودان، ولمؤسسة الجيش، لا يمكن أن يتحقق إلا عبر إعادة تأسيسها بالكامل: بناء جهاز مهني حديث، مستقل عن أي أجندة حزبية أو دينية، وفصل كامل بين الدين والدولة والجيش، وتدريب جديد، وآليات محاسبة شفافة. لا إصلاحات ترقيعية ولا تغييرات سطحية يمكنها إعادة الجيش ليصبح حارساً للوطن. وكما يُقال: «العطار لا يصلح ما أفسده الدهر»؛ فالجيش المختطف يحتاج إلى تأسيس جديد وليس مجرد تعديل.
إن المستقبل الحقيقي للوطن يعتمد على استعادة المؤسسة العسكرية من أيدي الجماعات التي اختطفتها، وعلى تكريس مبدأ أن السلاح حامي للشعب لا أداة لقهره. وحتى يتحقق هذا، ستظل الدولة هشّة، والمواطنون مهددين، والنزاعات مفتوحة على الدوام. تحرير السودان لا يبدأ من الحرب وحدها، بل يبدأ من تحرير المؤسسة التي اختطفتها الجماعة، واستعادة هيبتها الوطنية، وإعادة وضعها في مكانها الطبيعي كحامي للحقوق لا كأداة للقهر.
الجيش المختطف ليس مجرد قضية عسكرية، بل رمز لمعاناة السودان منذ ثلاثة عقود، ودليل على أن أي مشروع سلام لا يضع في أولوياته إعادة تأسيس الجيش سيظل ناقصاً، وأن السلام الحقيقي لن يتحقق ما دام السلاح أداةً للسيطرة لا للدفاع عن الوطن.




