
فاطمة لقاوة
السعودية تُدير حرب السودان!ليس هذا توصيفًا إنفعاليًا، بل خلاصة لمسار سياسي إنتقلت فيه الرياض من موقع الوسيط إلى موقع الطرف المنحاز، ومن منصة رعاية السلام إلى مربع إدارة الصراع وفق حسابات إقليمية تتجاوز الدم السوداني.
بيان الحكومة السعودية الأخير بشأن الإغاثة وموقفها من قوات الدعم السريع لم يكن حدثًا معزولًا، بل كشف بوضوح عن هذا التحول.
المملكة السعودية، بوصفها إحدى دول “الرباعية” المشرفة على الإتفاق الإطاري، تعلم تمامًا من الذي أفشل الإنتقال المدني ومن الذي أشعل الحرب،ومع ذلك،إختارت إدانة طرف واحد، دون إنتظار نتائج لجان تحقيق مستقلة، ودون موازنة المواقف بسجل الإنتهاكات الكامل على الأرض.
لماذا تُدان قوات الدعم السريع فورًا، بينما التزمت السعودية الصمت حيال قصف قوافل الإغاثة في دارفور بواسطة طيران الجيش، وهي حوادث موثقة ومتكررة؟هذا الصمت لا يمكن تفسيره إلا كانتقائية سياسية تُفرغ أي خطاب إنساني من مضمونه،وتٌجرده من مبدأ الإلتزام الأخلاقي
الأخطر أن هذا الموقف يتقاطع – صراحة أو ضمنيًا – مع خطاب القوى المرتبطة بالحركة الإسلامية في السودان، تلك التي أشعلت الحرب باسم الجيش والدولة، ولا تزال ترفض أي مسار مدني أو تفكيك حقيقي لسلطتها.
هل تحوّلت الرياض إلى مظلة سياسية غير معلنة لهذا التيار، أم أنها توظفه مرحليًا في لعبة النفوذ؟
في ملف الإغاثة، يتبدّى التناقض الفاضح،فبينما تتحدث البيانات عن الحرص على المدنيين، لا يرى السودانيون قوافل مساعدات سعودية مستقلة تصل إلى مناطق الكارثة، في وقت تتصاعد فيه الشكوك حول إستخدام بعض المساعدات كغطاء عسكري من قِبل أطراف بعينها. لماذا لا تُدان كل الإنتهاكات بالمعيار نفسه؟لا يمكن فهم هذا الإنحياز دون وضعه في سياق البحر الأحمر واليمن. السودان ليس ساحة هامشية، بل ضلع أساسي في معادلة أمن البحر الأحمر، حيث تتقاطع الملاحة الدولية والطاقة وصراعات النفوذ الإقليمي. وأي خلل في ميزان القوى السوداني، خصوصًا على الساحل، ينعكس مباشرة على باب المندب ثم على العمق السعودي.
المفارقة أن المملكة التي خاضت حربًا طويلة في اليمن، وإعتمدت خلالها على قوات الدعم السريع السودانية ضمن تحالفها العسكري، تتعامل اليوم مع هذه القوات بمنطق الإدانة السريعة، دون حساب الفراغ الإستراتيجي الذي قد ينشأ.
هل طعن هذا الطرف في الظهر يحمي أمن السعودية، أم يفتح الباب للقوى ذاتها التي تقول المملكة إنها تحاربها؟
إن تحويل السودان إلى ورقة في صراع البحر الأحمر، أو إلى ملف ملحق بحرب اليمن، لا يصنع أمنًا ولا إستقرارًا.
الأمن الإقليمي لا يُبنى بإدارة الحروب، بل بإنهائها من جذورها،والسودان لا يحتاج وصاية ولا بيانات إنتقائية، بل موقفًا صريحًا يُسمّي من أشعل الحرب ويضغط على كل الأطراف بلا إستثناء.
التاريخ لا ينسى، ومن يختار إدارة الحرب بدل إنهائها، سيتحمّل مسؤولية نتائجها.
السؤال الذي سيبقى معلّقًا فوق هذا المشهد:هل تريد السعودية سلامًا في السودان؟ أم حربًا مُدارة تخدم توازنات البحر الأحمر؟
ولنا عودة بإذن الله
الأحد،٨فبراير/٢٠٢٦م




