رأي

سقوط القناع: الهدنة تكشف هشاشة الأيديولوجيا الحربية

سليم محمد عبدالله

 

سليم محمد عبدالله

في خضم الأزمات السودانية الراهنة، تتضح ملامح شخصيات مركزية تتحول إلى “بؤر التناقض”، حيث تتكشف الأجندات الحقيقية وراء الرتب العسكرية والخطابات الحماسية. في هذا السياق، أصبح أحد أبرز القادة العسكريين في البلاد مرآة لمدى تغلغل تيار الإسلام السياسي داخل مؤسسات الدولة، إذ يقيس كل موقف للهدنة وكل خطوة نحو السلام بمقياس الولاء الأيديولوجي وليس المصلحة الوطنية.

كل محاولة للتقريب بين الأطراف المتصارعة تواجه بخطاب تعبوي يحاكي “الرعب الوجودي” من السلام. ليس مجرد قائد عسكري يدلي بتصريحاته، بل يمثل صوتًا عن إرادة متصلبة ترى في إيقاف الحرب تهديدًا وجوديًا، ما يطرح سؤالًا جوهريًا: إلى أي مدى يمكن أن يتخفى الأيديولوجي تحت قناع الوطنية؟

عندما تتدخل الأطراف الدولية والإقليمية لوقف نزيف الدم وتقديم المساعدات الإنسانية، تتكشف مواقف الرفض الحادة كدليل على انهيار القيم الأساسية. الخطاب المتصلب الذي يميل إلى إدامة الخيار العسكري يعكس عجز الأيديولوجيا عن استيعاب مفهوم السلام. في قاموس هذه القوى، لم يعد العطاء التضحية بالمنصب أو الهيمنة من أجل حماية الأرواح، بل أصبح التضحية بالأرواح في سبيل صون الأيديولوجية. الهدنة الإنسانية تتحول إلى خيانة في نظرهم، لتكشف المفارقة المأساوية بين الخطاب الحماسي والواقع الإنساني.

النداءات المتكررة للاستنفار لا تعكس فقط الرغبة في الحسم العسكري، بل هي أداة ممنهجة لتأجيل أي تقدم على طريق المفاوضات. هذا التصعيد اللفظي يحقق هدفين رئيسيين: بث الرعب وقطع الطريق أمام أي مساحات للتفاوض المدني، وتأكيد الولاء للجناح الأيديولوجي الذي يرى في الحسم العسكري وسيلة لاستعادة النفوذ المفقود. في جوهره، هذا الصراخ هو تعبير عن خوف من المساءلة، حيث يكشف هاجس هؤلاء القادة من انتقال السلطة إلى المدنيين ومساءلة رموز السلطة القديمة.

النهج الذي تتبناه هذه القيادات يظهر انفصالًا جذريًا عن الواقع المعيشي للمواطن السوداني. بينما تتفاقم أزمات الغذاء والدواء، يظل الخطاب موجهاً نحو الانتصار الأيديولوجي بعيد المنال، كاشفًا عن “قناع الوطنية المزيفة”. الهدنة، أو مجرد مناقشة حلول سلمية، تظهر أن الأولوية ليست حماية المدنيين أو ترميم الدولة، بل حماية المشروع الأيديولوجي. هذا يعرّف جديدًا مفهوم “هزيمة القيم”: بقاء الفكرة أهم من بقاء الشعب، وبقاء النفوذ أهم من حياة المواطنين.

عقارب الساعة في السودان تؤكد حقيقة لا يمكن تجاهلها: لا يمكن أن يكون الحامل للسلاح في الوقت ذاته حاملًا لشعلة السلام. سقوط القناع عن القيادات الأيديولوجية يمثل درسًا صارخًا للمجتمع الدولي بضرورة التعامل معهم كمعرقلي سلام وليس كشركاء وطنيين. السودان لا يحتاج لمزيد من بلاغة الاستنفار، بل إلى الحكمة والهدوء، حيث يُوضع مصير الأمة فوق أوهام الجماعة. القرار الدولي يجب أن يكون واضحًا: السلام الشامل غير المشروط، أو العزلة الكاملة لمن يعيقون مسار الحياة والدولة.

إن الوقائع الراهنة تؤكد أن الحلول السلمية ليست ترفًا يمكن تأجيله، بل ضرورة إنسانية ووطنية عاجلة. فالمجتمع السوداني يئن تحت وطأة الحرب، والهدنة ليست مجرد إجراء مؤقت، بل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، ولإثبات أن الوطن أهم من أي مشروع أيديولوجي ضيق. سقوط القناع، الذي كشفته الهدنة، هو دعوة صريحة لكل الأطراف الدولية والمحلية للتعامل بحزم مع من يسعون لإعاقة السلام، ولضمان أن تكون أي خطوات مستقبلية لصالح الشعب أولًا وأخيرًا، وليس لأجندات ضيقة تحت ستار الوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!