
أبو عبدالله الراشدي
إرادة الشعوب قوة لا تُقهر؛ هكذا تَكشف صفحات التاريخ لكل من لا يزال يراهن على دوام الاستبداد. ما تشهده بلادنا اليوم ليس مجرد صراع على السلطة، بل هو مخاض عسير لولادة وطن جديد يرفض أن يبقى رهينة عصابات بطش وطبقة ضئيلة من النخب التي اختزلت الدولة في أدواتها ومؤسساتها. الاحتلال الحقيقي للوطن لا يكون بالسلاح وحده، بل بالسيطرة على الذاكرة، بالتحكّم في الفضاء العام، وبإلغاء قدرة المواطن على أن يكون فاعلاً ومواطناً كاملاً. والآن، تنهض الشعوب لتقاطع هذا الانقسام التاريخي وتستعيد حقها في كتابة مستقبلها.
ثورة ديسمبر وما تلاه من ربيع ثانٍ يمثلان نقطة تحول؛ إذ إن الضربة التي وجهتها حرب أبريل ٢٠٢٣ م لم تكن فقط هزّاً عابراً، بل صدمة تقود إلى إعادة هندسة الدولة. الحروب قد تكون مدمرة، لكنها أحياناً تحمل بذوراً لصياغة أنظمة أكثر عدلاً وشفافية. أمثلة التاريخ كثيرة: أمم مرت بمنعطفات عنيفة لتصل بعد ذلك إلى تداول سلمي للسلطة ونُظُم حكم تحتكم إلى القانون. هذا الدرس ينطبق علينا؛ فالتحدي ليس الهزيمة أمام العنف، بل تحويل هذا العنف إلى دفعة نحو بناء مؤسسات قادرة على حماية المواطن وتحقيق العدالة والمساءلة.
المرحلة الحالية تتطلب خريطة طريق واضحة: أولاً، تأسيس دولة تحترم مبدأ المواطنة، حيث تنال الحقوق دون تمييز، وتكون الخدمةِ معياراً للحكم لا الولاءات. ثانياً، بناء نظام قضائي مستقل قادر على فرض سيادة القانون ومكافحة الإفلات من العقاب. ثالثاً، إعادة تصميم المؤسسات الأمنية على أسس مهنية ومدنية تضمن حماية المواطن لا استعباده. وأخيراً، برنامج شامل للمصالحة الوطنية يقرن العدالة بالإنصاف، ويعيد النسيج الاجتماعي المشقوق إلى حالته الطبيعية.
لا يمكن أن نعيد بناء الوطن إن ظلّ خطاب الكراهية والتطرف مستشرياً. لذلك، لا بد من مواجهة تعليمية وثقافية لوقف دوامة التعصب وإعادة تأسيس سردية وطنية جامعة. التاريخ لا يُمحى إلا بصنع تاريخٍ جديد؛ وآليات ذلك تبدأ من تعليم جديد، اقتصادات مُنصفة، وإعلام مسؤول يعيد ثقة المواطن.
ختاماً، ثورات الشعوب ليست طقوساً عابرة، بل عملية متواصلة تستلزم يقظة جماعية. المقاومة الحقيقية اليوم هي مقاومة الفقر والإقصاء والفساد، وهي العمل اليومي لبناء مؤسسات تُعرَف فيها المواطنة بحقّها. ولأن الشعوب هنا لا تُقهَر، فالمندفعون نحو الاستبداد سيجدون في إرادة الشعب مرآة لا تكذب: الحق ينتصر حين تُجمع الإرادات على بنائه، وهنا تكون ولادة وطنٍ جديدٍ أمراً حتمياً.




