رأي

مجزرة الضعين: حين يصبح العيد موسمًا للحزن ويُختبر ضمير العالم

بروفيسور أبو القاسم الرشيد

 

بروفيسور أبو القاسم الرشيد 

لم تكن الضعين، حاضرة شرق دارفور، تتوقع أن تستقبل أول أيام عيد الفطر على وقع طائرات مسيرة تمطرها بحمم من الدم والنار بدل التكبير والفرح. 

ففي لحظة يفترض أن تتجسد فيها قيم الرحمة والتكافل والبهجة والفرحة، تحولت منشأة طبية—رمز الحياة والنجاة—إلى مسرح لمأساة إنسانية صادمة أعادت إلى الأذهان أسوأ فصول العنف في الإقليم.

إن استهداف المرافق الصحية في مناطق النزاع ليس مجرد عمل عسكري عابر لا إنساني و لا أخلاقي، بل هو كسرٌ صريح لكل القواعد التي أرساها القانون الدولي الإنساني. فالمستشفيات، وفق اتفاقيات جنيف و رغم جميع الأعراف الإنسانية، تُعد مناطق محمية يفترض أنها ملجأ آمن للمرضى والاعتداء عليها يرقى إلى جريمة جسيمة تستوجب المساءلة الدولية و القصاص الفوري ، لكن ما يجعل هذه الحادثة أكثر إيلامًا هو توقيتها، إذ وقعت في يوم خاص من أيام المسلمين يحمل رمزية دينية وإنسانية عميقة، ما ضاعف من وقع الصدمة على المجتمع المحلي والعالمي.

دارفور، التي عانت لعقود من دوامات العنف والتهميش والصراعات المسلحة، لم تخرج بعد من أزمتها البنيوية. فغياب الدولة القادرة على فرض الأمن و الاستقرار ، وتعدد الفاعلين المسلحين، وتداخل المصالح المحلية والإقليمية، كلها عوامل جعلت المدنيين الحلقة الأضعف في معادلة الصراع. وما حدث في الضعين ليس استثناءً، بل امتدادٌ لنمط مقلق من الإفلات من العقاب والمساءلة و النسيان.

لقد سارعت بعض الجهات و الأفراد والهيئات إلى إصدار بيانات إدانة شديدة اللهجة، مطالبة بحماية المدنيين وفتح تحقيقات عاجلة. غير أن هذه الإدانات، رغم أهميتها الرمزية، تظل عاجزة و تظل مجرد تخدير وقتي لجرح غائر ما لم تُرفق بإرادة سياسية حقيقية قادرة على الفعل وذات آليات تنفيذ واضحة. فكم من مجازر في دارفور وغيرها طُويت صفحاتها دون محاسبة ، وكم من ضحايا تحولوا إلى مجرد أرقام في تقارير دولية؟

إن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في تكرار العنف، بل في عجز و عدم رغبة النظام الدولي في ردعه. فالمجتمع الدولي، المنقسم والمثقل بحساباته السياسية المتضاربة، غالبًا ما يكتفي بلغة القلق والإدانة، دون الانتقال إلى الفعل و إلى اتخاذ خطوات حاسمة مثل جلب المتهمين فورا إلى ساحات العدالة والقصاص، أو فرض العقوبات، أو دعم آليات العدالة الدولية، أو توفير حماية فعالة للمدنيين على الأرض.

من هنا، تطرح مجزرة الضعين أسئلة جوهرية لا يمكن تجاهلها:

• هل أصبحت حياة المدنيين في مناطق النزاع أقل قيمة في ميزان السياسة الدولية؟

• إلى متى سيظل الإفلات من العقاب قاعدة لا استثناء؟

• وأين تكمن حدود مسؤولية المجتمع الدولي حين تتكرر الجرائم دون رادع؟

في المحصلة، ما جرى في الضعين ليس مجرد خبر صحفي عابر، بل جرح مفتوح في جسد الإنسانية. 

وبينما يودّع الضحايا أحباءهم في صمت و قهر، يبقى الأمل معلقًا على أن تتحول هذه المأساة إلى نقطة تحول—لحظة يدرك فيها العالم أن العدالة المؤجلة هي ظلم مستمر، وأن الكرامة الإنسانية لا ينبغي أن تخضع لموازين المصالح.

بروفيسور/ أبوالقاسم الرشيد أحمد الحسن

عضو المجلس الرئاسي و حاكم الإقليم الشمالي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!