رأي

خارطة انتقال: من مخاض العنف إلى مشروع مدني متجدد

ايمان التجاني

 

إيمان التجاني

ما يحدث الآن ليس مجرد تباينات سياسية أو معارك مؤقتة من أجل السيطرة؛ إنه لحظة تأسيسية تفرضها الحاجة إلى إعادة صياغة عقد اجتماعي جديد. سنوات من الاستبداد القسري خلفت تصدعات عميقة في نسيج مجتمعنا، وأجهزت على مؤسسات الدولة، وحولت كثيراً من المواطنين إلى رهائن في داخل وطنهم. لكن في قلب هذه المعاناة يكمن خيار إصلاحي واضح: تحويل مدّ الغضب والرفض الشعبي إلى مشروع مدني قادر على إدارة التنوع وإرساء حكم القانون.

أول متطلبات هذا المشروع هو تبنّي رؤية وطنية تتجاوز الانقسامات الضيقة. رؤية تؤكد أن السياسات القائمة على الإقصاء لن تثمر استقراراً ولا تنمية. مطلوب برنامج شامل لإعادة الثقة: إصلاح إداري، شفافية في الميزانية العامة، ومؤسسات رقابية مُستقلة تقطع الطريق أمام آليات الفساد. كما أن وجود قضاء مستقل ونظام أمني يخضع للرقابة المدنية يعدّان ركيزتين أساسيتين لضمان انتقال سلمي ومستدام.

ثانياً، لا بد من معالجة أبعاد الصراع الاجتماعي والثقافي عبر سياسات تُعزّز العدالة الانتقالية والمصالحة. هذا يتضمن آليات حقيقة لا فضية للمساءلة، إلى جانب برامج تدعم إعادة الإدماج الاقتصادي للمناطق المتضررة، وتركيزاً على التعليم وإعادة بناء البنى التحتية المتدهورة. إن انتفاضة الشعوب تعني أيضاً مطالبةً بحقوق تنموية، والردّ عليها لا يكون بالقمع بل بخطة تنمية عادلة تلامس واقع السكان.

ثالثاً، دور الشباب والمدن المدنية لا يمكن تجاهله. عليهم أن يصبحوا شركاء فاعلين في صياغة الدستور والسياسات العامة. المشاركات المجتمعية والمنظمات المدنية يجب أن تُعطى منصات أوسع للمساهمة في القرار، لأن الاستبعاد هو الذي غذّى العنف في البداية.

أخيراً، التحوّل يتطلب إدارة ذكية للمرحلة الانتقالية: خارطة طريق زمنية، مؤسسات مؤقتة مسؤولة، وضمانات دولية تحفظ عملية الانتقال من اختطافها. لا تقوى التجارب الناجحة إلا بتوازن داخلي ومساندة خارجية تُحترم فيها سيادة القرار الوطني.

في الختام، الشعب قادر على صناعة مشروع مدني جديد إذا ما ترجم رفضه للهيمنة إلى أفعال بناءة. الثورات قد تكون شرارة، لكن البناء يتطلب عزماً جماعياً وسياسات واضحة. بالإرادة والتخطيط يمكن أن يتحول مخاض العنف إلى ميلاد دولة مواطنة تقوم على العدالة وكرامة الإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!