رأي

فشل الإعلام في «تأسيس»: غفلة أم مؤامرة؟

عبد الرحمن العمرابي

 

عبدالرحمن العمرابي

في زمنٍ أصبحت فيه الكلمة واللقطة أكثر قدرةً على صنع القرار الدولي من رصاص البندقية، يقع تحالف «تأسيس» في فخٍ نصبه له فراغٌ إعلاميّ داخلي ومراوغاتٌ في إدارة قنوات التواصل الخارجية. الإعلام لم يعد مجرد مرافق سياسي، بل تحوّل إلى ساحة حسمٍ بحد ذاتها، وقد قضت تجارب حديثة أن من يسيطر على السرد يملك القدرة على تحييد خصمه قبل أن يلتقيه على الأرض. 

الرفض المتكرر للتعامل مع وسائل إعلامٍ عالمية طلبت استقصاء الحقائق ليس مجرد سياسةٍ اتصالية خاطئة، بل إشارةٌ مريبة إلى انعدام الحوكمة والتنظيم والقدره داخل إدارة الإعلام في «تأسيس». عندما تُسند مهمة التواصل الخارجي إلى دوائرٍ محدودةٍ لا تمثل تاسيس في حقيقتها بل احدي مكوناتها فقط وتُغلق الأبواب أمام منابرٍ مستقلة، يصبح التفسير الوحيد المعقول — بعد احتمال العمد — هو عدم وجود آليات مهنية واضحة، أو احتكارٌ إعلاميٌ يمارَس بلا شفافية. وهذا ما يثير الشكوك في مدى احترافية من يديرون الملف الإعلامي، ويضع علامة استفهام عريضة حول ممارسات الحوكمة داخل التحالف. 

النتيجة كانت مأساوية: فراغٌ إعلاميٌ استُغلّ بأقصى سرعة من قبل سردياتٍ مضادةٍ رسمت لـ«تأسيس» صورةَ كيانٍ هشّ وظيفته تجميل صورة ميليشياتٍ متهمة بانتهاكاتٍ متعددة. لا يخفى أن بعض الناطقين والوجوه الإعلامية ارتبطت بظهورٍ حصريٍ على قنوات منحازة تاريخياً لأطرافٍ معروفة، فيما أُغلِقت الأبواب على مؤسساتٍ دوليةٍ تسعى للتحقق ونقل الحقائق. مثل هذه الانتقائية لا تعكس احترافيةً بل سوء إدارةٍ يزوّد خصوم الداخل والخارج بوقودٍ إضافيّ للحملة الإعلامية المضادة. 

ثم ثمة بُعدٌ أخطر: المواجهة الداخلية بين أعضاء «تأسيس» من جهة، ومن يسيطر فعلياً على أدوات الإعلام في حكومتها من جهةٍ أخرى. هذا الصراع بدا واضحاً في غياب وزراء إعلام إقليميين أو إطارٍ إعلاميٍّ مؤسساتي يتماشى مع منطق الدولة اللامركزية التي يفترض أن يمثلها التحالف. إن جعل التعامل مع الإعلام الخارجي حصريةً لدوائرٍ ضيقةٍ لها تمييز معروف دون تنسيقٍ مع مكوناتٍ إقليمية أو وزارية يشي بخللٍ مؤسسيٍّ عميق، وكأن ملفّ الإعلام خارج منظومة الحوكمة، وهو ما يفاقم الأزمة ويولد احتقاناً داخلياً ينعكس سلباً على الأداء السياسي والدبلوماسي. 

ولا يغيب عن المشهد أن الإعلام يقف في صميم بناء السلم والمساءلة؛ فقد أثبتت دراسات وتجارب ما بعد الصراعات أن غياب سياسات إعلامية واضحة وتدريبٍ مهنيٍ للصحافيين والناطقين الرسميين يقود إلى فراغٍ اطلاعِي يُستغلّ لنسج رواياتٍ منقوصة أو ملفقة. لذلك، فإن اتهام «تأسيس» بأنه ضحية مؤامرة خارجية لا يعفيها من مسؤولية بناء جهاز إعلامي قادر على المقارنة والردّ والشفافية، وإلا فقد تحول الصمت إلى إدانة تسبق التحقيقات. 

الشك في انعدام المهنية عندما يُجعل التعامل مع الجهات الإعلامية الخارجية حِصْراً على حلقاتٍ مغلقةٍ ليس تهمةً سهلة النفي. فغياب الوثائق التنظيمية، غياب آليات الاعتماد والتدقيق، وغياب وزارات إعلام إقليمية في دولةٍ لامركزية أو مركزيةٍ تحت سلطة مركزٍ جديد، كلها مؤشراتٌ عملية تدعو للتحقيق الداخلي العاجل. هل هذا نتيجة غفلةٍ استراتيجيةٍ قاتلة؟ أم جزءٌ من عملٍ ممنهجٍ لاغتيالٍ سياسي وأخلاقي يؤثر في قدرة التحالف على البقاء ككيانٍ سياسيٍ قادرٍ على إدارة الدولة؟ السؤال يظل مفتوحاً، لكن الطريق إلى الإجابة يمرّ عبر إصلاحٍ عاجلٍ لمنظومة الإعلام. 

الخلاصة المؤلمة أن الحرب على الأرض قد تنتهي بهزيمه او استسلام الضعفاء إذا هُزِمَت روايةُ المدافعين عنها في ساحات الإعلام. على «تأسيس» أن تختار فوراً: إما أن تبني مؤسسات إعلامية مهنية، شفافة، لامركزية تتوافق مع بنية الدولة المنشودة، وإما أن تستسلم لصورةٍ صنعتها عنها أدواتُ الشك والتشويه. أولى خطوات النجاة أن يُرفع الحصر عن قنوات التعامل الخارجي، أن تُسنّ قواعد واضحة للحوار الإعلامي، وأن تُشرك الضمائر الوطنية المهنية في صياغة روايةٍ منطقيةٍ تُعرض على العالم بالأدلة والبيانات لا بالصمت والاختيارات الحصرية. فالصمت هنا لا يحمي أحداً — بل يقتل مشروع نؤمن بانه في اصله كان من اجل السودان واهله كافه وسيشهد التاريخ بذلك ليصبح ذكري مؤلمه وتجربه امل لم يتحقق. ستصمت البنادق بقبول او فرض وسيفي ما بذره الاعلام في العقول والنفوس وهذه هي المعركه المستمره. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!