من فخّ التشخيص إلى قوة الفعل: كيف ينهض وطن أثقلته النخب بالتهميش؟
عبد الرحمن ابو رندة ... بنسلفانيا

عبد الرحمن ابورندة … بنسلفانيا
لا يمكن لأي وطن أن ينهض ما لم يملك شجاعة النظر في مرآته، ولا يمكن لشعب أن يخطو خطوة واحدة نحو المستقبل ما لم يعترف أولاً بأن جزءاً كبيراً من أزماته صُنع في الداخل قبل أن يُصنع في الخارج. الحقيقة التي آن أوان قولها بلا تردد هي أن النخب السياسية والثقافية لم تكن فقط عاجزة، بل كانت جزءاً من ماكينة التهميش التي أثقلت البلاد، وعمّقت الفوارق، وأسهمت في صناعة واقع مرتبك، فقدت فيه الدولة قدرتها على الرؤية والعمل.
لقد أدمنت هذه النخب التحليل، واعتادت التبرير، وظلت أسيرة خطابٍ لا يتحرك، بينما ظلت البلاد تتراجع. بعضها رَهَن إرادته لمراكز نفوذ خارجية أرادت للسودان أن يبقى تابعاً، وأن تبقى نُخبه أداةً لا مشروعاً. ولعل أبرز تلك المراكز كانت الدولة المصرية التي أحسنت توظيف النخب السودانية على حساب شعوب السودان، فكانت العلاقة معها امتداداً لمنظومة تُعيد إنتاج التبعية وتُصادر القرار الوطني.
وفي ظل هذا المشهد، يبرز القول المأثور الأول كأنه يُلخّص عقوداً كاملة من العبث السياسي:
«البلاد التي تُلهمها الأفكار ولا تُحرّكها الآليات، تبقى معلّقة بين الحلم والهاوية.»
فكيف تنهض دولةٌ تملك الأفكار ولا تملك الأدوات؟ وكيف يتقدم مجتمعٌ يملك الوعي ولا يملك القدرة؟
غير أن فشل النخب ليس سوى جذر واحد من جذور قضية أكبر: التهميش التاريخي للشعوب. هذا التهميش لم يكن خطأً عارضاً، بل هندسة مُمنهجة صنعت طبقة مركزية ترى نفسها مالكةً للدولة، وتركت مجتمعات كاملة خارج مظلة التنمية والتعليم والخدمات. إن بلداً تُعامل فيه شعوبه بوصفها هوامش لا يمكن أن يصنع نهضة، ولا أن ينتج استقراراً، ولا أن يحقق عدالة.
ومن هنا تتجلى الحاجة إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومواطنيها. فالدولة ليست جهازاً رمزياً، بل مؤسسة تحتكر القوة وفق القانون، وتفرض النظام، وتوفّر بيئة سياسية تسمح للناس بإصلاح مؤسساتهم ومساءلتها. فمن دون هذا الدور لا يمكن بناء حياة مدنية قادرة على مقاومة التلاعب، ولا اقتصاد يستطيع أن ينتج، ولا مجتمع يحلم.
لكن الاستقرار وحده لا يكفي؛ إذ لا بد من سياسات عامة تُحوّل المواطن من «مُتلقٍ» إلى شريك، وتعليم حقيقي لا يستغرق سنواته في الخطابة، بل في صناعة المهارة. فالطفل لا يحتاج فقط إلى درس في المواطنة، بل يحتاج إلى مهارة تمنحه قدرة على العمل. وهنا يتجلى القول المأثور الثاني:
«لا يُشفى الجسد بتشخيص دائه فقط، بل بما يُوضع على الجرح من فعل.»
الفعل هنا يعني التخطيط التنموي العقلاني، الذي يربط بين ما هو مادي وما هو رمزي، بين الثروات التي تملكها البلاد وبين قدرتها على إدارتها، وبين تنوع الثقافة وبين قدرة الدولة على بناء مشروع عام.
لكن العقبة الكبرى التي واجهت السودان طويلاً ليست في نقص الموارد، بل في العقل السياسي الذي يخاف الخطوة، ويهرب من «كيف» إلى «لماذا»، ويتقن انتقاد الماضي ولا يستطيع بناء المستقبل. فنحن نُجيد تشخيص الأزمة، ونسهب في توصيفها، لكننا نتعثر عند لحظة التنفيذ. وهذا ما يختصره القول المأثور الثالث:
«البلاد التي تخاف سؤال كيف، تظل أسيرة لسؤال لماذا.»
وهكذا ظل السودان يدور في حلقة التشخيص دون عبور إلى القدرة. والخروج من هذه الحلقة يبدأ حين نعيد الاعتبار لمبدأ أساسي: أن النهضة لا تصنعها التحليلات وحدها، بل تصنعها السياسات. ولا تنهض بها النوايا، بل النهج. ولا تُقاس بالكلام، بل بالتراكم العملي.
حتى تُخاطَب جذور الأزمة حقاً، يجب أن نواجه الحقائق بوضوح:
النخب جزء من الأزمة، لا مجرد شاهدة عليها.
التهميش التاريخي لا يمكن تجاهله، ولا معالجة وطنية دون الاعتراف به.
القرار الوطني لا يُستعاد ما دامت النخب مرهونة للخارج.
عندها فقط، يصبح الانتقال من التشخيص إلى التنفيذ ممكناً. ويتحول الوعي إلى عمل، والعمل إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى قوة قادرة على خلق المستقبل. وطنٌ ينهض حين يتحرر من نُخبه الفاشلة، ويواجه تاريخه بشجاعة، ويصوغ مشروعه دون تبعية، ويُعيد توزيع موارده بعدالة، ويُبني قدرته بوعي وحزم.
عندها… فقط عندها… لا يبقى الوطن مُثقلاً بالتهميش والإرهاق، بل يصبح قادراً على صناعة زمن جديد، زمن تُبنى فيه الدولة على الفعل لا على الوصف، وعلى العدالة لا على الامتياز، وعلى الإرادة الوطنية لا على الإملاء الخارجي.




