
نفيسة حجر
تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً مقطعاً مصوراً صادماً من داخل سجن الفاشر، الواقع تحت سيطرة قوات الدعم السريع.
الفيديو لم يكن توثيقاً لحدث عادي، بل كان تجسيداً حياً لـ “الابتذال الرمزي” و”السادية المعنوية” حيث تظهر مغنية تردد (الفارقنا اعز الناس اااااااااه يا مسافر نار الشوق شديدة خلاص)، بينما يغرق المساجين في نوبة من البكاء والنحيب السخين، وفي اغنية اخري تتراقص “مجندة” بزي الدعم السريع يميناً وشمالاً في قمة الزهو والاحتفال (بلغة ناس الحفلات حتتو حت).
عليه ساتناول ذلك من وجهة نظر حقوقية .
أن ماحدث يندرج تحت ما يعرف ب “الإذلال المعنوي”فما جرى في سجن الفاشر يتجاوز كونه “سقطة أخلاقية” ليرقى إلى مرتبة المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة، المحرمة بموجب “قواعد مانديلا” والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
إن إجبار السجناء على أن يكونوا “جمهوراً قسرياً” لمشهد غنائي وراقص وسط ظروف الحرب والجوع، هو نوع من التعذيب النفسي الذي يهدف إلى كسر الإرادة وإذلال النفس البشرية وايصالها الي أضعف حالاتها.
ان استباحة هيبة الزي الرسمي
والذي تمثل قي ظهور “المجندة” وهي تتراقص (تحتو حت )بالزي العسكري الرسمي وسط دموع السجناء، هو إعلان صريح عن سقوط الانضباط العسكري.
إن الزي العسكري في عقيدة الدول خُلق ليكون رمزاً للحماية والوقار، وحين يتحول إلى “رداء للرقص” في حضرة الأنين، فإنه يفقد صفته الرسمية ويتحول إلى أداة للتشفي. هذا الابتذال للزي هو انتهاك صارخ للقوانين العسكرية التي تفرض على مرتديه سلوكاً ينسجم مع هيبة الدولة ومؤسساتها.
ان قدسية الكرامة الإنسانية فوق الجرم فمن المنطلق القانوني والحقوقي الصرف، يجب أن نؤكد يقيناً أنه مهما عظم جرم السجناء، إلا أن لهم حقوقاً وكرامة يجب احترامها. إن العقوبة في جوهرها هي “سلب للحرية” وليست “استباحة للآدمية” أو ترخيصاً للإذلال. السجين يظل إنساناً تحت حماية القانون الدولي، ولا يحق لأي جهة، مهما بلغت سلطتها، أن تحول عذاباته ومواجع عزلته إلى مادة للاستعراض والتطريب.
ان المسؤولية الحقوقية والتاريخيةلنا كمدافعين عن حقوق الإنسان، نعتبر هذا الفيديو وثيقة إدانة دامغة.
إن تصوير السجناء في لحظات انكسارهم ونشر ذلك على الملأ هو جريمة تشهير وانتهاك للخصوصية، تُضاف إلى سجل الانتهاكات التي تطال الإنسان السوداني في هذه الحرب العبثية.
اخر قولي:
إن هذا المشهد يضعنا أمام سؤال أخلاقي وتاريخي لا يمكن التغافل عنه: إذا كانت القوات المتقاتله تشعر بحالة هذا الفرح، فلماذا لا يذهبون إلى السلام ويستكملون الفرح على أكمل وجه بدلاً من الرقص على جماجم الضحايا؟
إن ممارسة الفرح فوق أوجاع المحتجزين في سجن الفاشر وبين ركام الوطن هي سقطة لن يمحوها التاريخ فالإنسانية تقتضي أن نحترم أنين الضحايا، والعدالة تنادي بأنه لا يجوز الرقص على جراحاتهم، فكرامة الإنسان تظل تسمو فوق القضبان وفوق زيف الاحتفالات.




