
محمد الحلو
في مشهد سياسي وقانوني متقلّب تعيشه دارفور وكردفان، يبرز اسم الحلا كأحد الرموز التي اختارت طريق المهنية والالتزام بسيادة القانون بعيداً عن ضجيج الشعارات وتصفية الحسابات. فالرجل، الذي حاول البعض أن يصوّره كمتهم أو هارب، يقف اليوم على قاعدة صلبة من الخبرة والممارسة، جعلت منه نموذجاً لرجل القانون الذي لا تهزّه العواصف ولا تفتّ في عضده حملات التشويه.
من موقعه كـ وكيل نيابة خاض الحلا مسيرة طويلة داخل أروقة العدالة، شارك خلالها في تأسيس نادي النيابة، ذلك الكيان الذي شكّل نقطة تحوّل في مسار العمل العدلي، ونجح في إعادة التوازن إلى المشهد القضائي حين حاولت أطراف متعددة أن تجعل من النيابة ساحة للصراعات السياسية والمساومات. ظهور رئيس النادي آنذاك لم يكن مجرد حدث تنظيمي، بل رسالة بأن العدالة قادرة على الدفاع عن نفسها، وأن رجالها ما زالوا يقفون على أرض المبادئ.
ما يميّز الحلا ليس فقط موقعه المهني، بل ما يمكن تسميته بـ الكاريزما العدلية، تلك الشخصية التي تجمع بين الصرامة القانونية والحكمة في إدارة الأزمات. في بيئات تتسم بالتوتر والانقسام، ظلّ الحلا يعمل بصمت وهدوء، مؤمناً بأن بناء دولة القانون لا يتم بالضجيج بل بالفعل، وبأن استقلال النيابة هو صمام الأمان لأي مشروع وطني يراد له الاستمرار.
حملات الإقصاء التي واجهها، ومحاولات النيل من سمعته، لم تزده إلا إصراراً على أداء واجبه. فحين يختار بعضهم طريق الاتهامات الرخيصة، كان الحلا يختار طريق العدالة، مدركاً أن الدفاع عن القانون هو دفاع عن الوطن نفسه.
امتد إشعاع تجربته إلى الخارج، فكان من الطبيعي أن يحظى بثقة المؤسسات الدولية، ليشغل مواقع مرموقة مثل مساعد الأمين العام للاتحاد العربي للقضاة وعضو مراقب بالاتحاد الدولي للقضاة، وهي مناصب لا تُمنح بالمصادفة أو الولاءات، بل تُكتسب بالخبرة والكفاءة.
إن تجربة الحلا تذكّر الجميع بأن العدالة ليست شعاراً يُرفع، بل منظومة تُبنى بالجهد والتضحية. في زمن تتنازع فيه الأصوات والمصالح، يبقى الحلا نموذجاً لرجل القانون الذي يرى في العدالة مشروع وطن، وفي استقلال القضاء ضمانة لمستقبل آمن ومستقر.
بهذا المعنى، يصبح الحلا أكثر من مجرد اسم في سجل العدالة السودانية، بل رمزاً لصوتٍ هادئ يقف بثبات في وجه العواصف، متمسكاً بأن سيادة القانون هي الطريق الوحيد لبناء دولة لا تهتزّ أمام الأزمات.




