رأي

المشكلة ليست في من يحكم… بل في من لا يُحاسَب

منال علي محمود

 

منال علي محمود

manal002002@gmail.com

في السودان، لا يسقط القادة بسبب فشلهم…

يسقطون فقط عندما يختلفون فيما بينهم.

أما الشعب، فيكتفي بالانتظار.

ينتظر الخلاص من شخص جديد، دون أن يسأل الشخص القديم. ماذا فعلت بنا؟

كم مسؤول حوسب فعلياً؟

كم قائد عسكري خضع لمساءلة حقيقية؟

كم سياسي أعاد ما نهب؟

كم لجنة تحقيق انتهت بنتيجة معلنة وواضحة؟

نحن لا نغير القواعد… نحن فقط نغير اللاعبين.

الشعب بين الغضب والنسيان.

نثور.

نغضب.

نهتف.

ثم ننسى.

كل دورة تبدأ بشعار العدالة… وتنتهي بتسوية سياسية.

لا أحد يطالب بمحاسبة حقيقية.

الجميع يريد الاستقرار حتى لو كان هشاً.

قالت سناء حمد، عند سؤالها قبل أشهر عن الحرب.

﴿وَإِنْ جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ﴾

ونحن ملزمين نصًا بالجلوس مع حميدتي لإيقاف الحرب، أما حمدوك وجماعته فلا والف لا.

اليوم، وفي لقاء أحمد طه،

صار حمدوك حميدتي الجديد ملزمين نصا بالجلوس معه.

نحن من نصنعهم، وغالبًا لا يصدقون أن مواقف اللئام تمر مرور الكرام.

اليوم، أبدلت الحاء بالحاء، ومضت حاء حمار على ذاكرتنا السمكية.

لم تقل سناء حمد. “حاسبونا”. ولم تقل. “أخطأنا”. ولم تطلب الصفح.

بل برّرت ما تم كشفه، لأنها واثقة أن لا محاسبة.

لن نذل ولن نهان ولن نطيع الأمريكان كانت حجرًا أساسياً في تكوين الهوية السياسية طوال فترة حكمهم، لا مجرد كلمات تُردّد.

كل هتاف كان معلماً، كل جملة خريطة مسار. من يقف معنا، ومن ضدنا، بين الداخل والخارج، بين الصديق والعدو، بين من يُقدَّر ومن يُستهان به.

لكن السؤال الذكي الذي يطرحه كلام سناء حمد اليوم.

“هل خرج أمريكي مطالباً بعزل الحزب سياسياً؟”

معظم قادة الحزب يحملون الجنسية الأمريكية، ومن لا يحملها أولاده وأسرته درسوا وتعلموا هناك، وطرقوا أبوابها كما يشاؤون…

فلماذا إذن خُلق وعي جمعي مضلل لدى الشعب، وكُوّنت صورة أمريكا كعدو مطلق؟

لماذا جعلوا منها “دار سوء” بينما هم أنفسهم يطرقون أبوابها، ويتعلم أولادهم هناك، ويجنّسون بجنسيتها؟

اليوم، عند اعتماد كلام سناء حمد على المثال الأمريكي لتمرير مبرر البقاء السياسي، يبدو المشهد مألوفاً، لكنه مختلف.

نفس المرجعية، نفس الاسم، لكن الوجه تغير، والحرف نفسه يُستخدم لغرض آخر.

أمريكا وروسيا قد دنا عذابها.

رددناها كالببغاوات.

نسينا، بسبب ذاكرتنا السمكية، أن رئيس الدولة نفسه طلب الحماية من الروس.

في الأصل، لماذا تم إدراجنا كدولة ترعى الإرهاب؟

حتى هذه التسمية لم يستحقها أشباه القادة.

طلبوا الحماية، وأهملوا معنى ما كانوا يرفعونه كراية.

فهل سألنا؟

هل تساءلنا لماذا خُدعنا، ولماذا بقيت القيادة بلا مساءلة؟

الوعي هنا لا يحتاج إلى انفعال.

يكفي أن نلاحظ حجم التناقض.

أن تهدد أمريكا بالأمس،

وتستخدمها مثالاً اليوم.

بعض الشعب يخاف المحاسبة، لأنه يفتح ملفات كثيرة.

من صفق؟ من استفاد؟ من برر؟

المحاسبة ليست ضد الحاكم فقط.

بل ضد ثقافة كاملة تسود مجتمعاتنا.

خطوة أولى نحو التغيير الحقيقي

قبل أن نطالب بأي حكومة أو قائد جديد، يجب أن نستعيد حماية الدستور المدني.

فاستقلال القضاء، وضمان الحقوق، ووقف الانتهاكات، كلها تبدأ من تمكين المدنيين من حماية الدستور.

بدون ذلك، كل وعد بالعدالة أو الاستقرار سيبقى هشاً، وكل محاسبة ستكون مجرد حبر على ورق.

نحن لا نُبتلى بقادة فاشلين.

نُبتلى بدائرة بلا حساب.

وكل من يأتي بعدهم، لن يكون أفضل.

سيكون فقط أذكى في إخفاء العيوب.

السؤال الحقيقي ليس. من سيحكم السودان؟

بل. متى يتعلم السوداني أن يسأل… قبل أن يصفق؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!