رأي

السودان بين الاستنفار والفوضى: مأزق العودة إلى الخراب

سليم محمد عبدالله

 

سليم محمد عبدالله

استيقظ السودان في إحدى الصباحات على مشهد مأساوي، حيث تحولت شوارع العاصمة إلى مسرح دموي، وتحول صوت الأذان إلى صدى رصاص يعلن عن حرب غير مسبوقة. لم تكن هذه الأزمة وليدة اللحظة، بل نتيجة تراكمات عقود من العبث السياسي، الفساد الاقتصادي، والتخريب المنهجي الذي مارسته جماعة الإخوان المسلمين، المعروفة محليًا باسم الكيزان. لقد زرعوا بذور الخراب في جسد الدولة، حتى أزهرت في النهاية حربًا مزقت الأرض والإنسان معًا.

بعد فقدانهم السلطة، يحاولون اليوم العودة عبر استغلال البسطاء وأبناء الهامش باسم “الاستنفار الشعبي”، بينما يعيش أبناؤهم حياة مرفهة في الخارج. إن شعارات الدين والوطن التي يرفعونها ليست إلا قناعًا لإعادة إنتاج مشروعهم القديم، مشروع يقوم على التضحية بالفقراء من أجل بقاء نخبة ضيقة في الحكم، وتحويل الشعب إلى وقود لمعاركهم العبثية.

لم يكن هدفهم يومًا بناء دولة حديثة، بل إقامة مشروع أيديولوجي ضيق يختزل الوطن في جماعة، ويختزل الشعب في أتباع. وقد حوّلوا المؤسسة العسكرية من حامية للوطن إلى أداة حزبية، أضعفوا استقلاليتها، وجعلوها حرسًا شخصيًا لمشروع سياسي فاقد للشرعية. هذا الانحراف الخطير جعل الجيش عرضة للتفكك والانقسام، وهو ما انعكس لاحقًا في اندلاع الحرب التي مزقت السودان.

ولم يقتصر التخريب على الجيش، بل امتد إلى الاقتصاد، حيث بيعّت الممتلكات العامة وتركزت الثروة في يد قلة من المنتفعين، بينما يعاني الشعب من الفقر والحرمان. هذه السياسات لم تكن مجرد أخطاء إدارية، بل سياسة مقصودة لإفقار المواطن وجعله أكثر قابلية للاستغلال. وبالمثل، عملت الجماعة على تفكيك النسيج الاجتماعي، زرع الفتن بين القبائل والمناطق، وأشعلت الصراعات الداخلية، حتى فقد المجتمع تماسكه التاريخي، وأصبح السودان عرضة للعزلة الإقليمية.

كما لم يسلم التعليم من مشروع الإخوان، فقد حولوا الجامعات إلى ساحات صراع، وأدخلوا العنف الطلابي في الحرم الجامعي، وحوّلوا الشباب إلى أدوات للاستنفار السياسي. التعليم الذي كان منارة للمعرفة أصبح ميدانًا للعنف والولاء الحزبي، وفقدت المدارس والجامعات رسالتها العلمية والإنسانية. وبالمثل، تضرر قطاع الصحة بشكل كبير، إذ أصبحت المستشفيات أطلالًا، والدواء سلعة نادرة، مما زاد من معاناة المواطنين وجعلهم أكثر هشاشة أمام محاولات الاستنفار.

انتشار الفساد في مؤسسات الدولة كان السمة الغالبة، فالمناصب أصبحت غنائم للأتباع، والمشاريع العامة صفقات مشبوهة، وأدارت الوزارات وفق الولاءات الحزبية لا وفق مصلحة المواطنين. هذا التخريب الشامل أعاق قدرة الدولة على إدارة شؤونها، وجعلها عاجزة عن حماية الشعب، بينما أصبح الحزب قادرًا فقط على حماية مصالحه الضيقة.

اليوم، وبعد أن فقدت الجماعة السلطة، يسعى مشروع الاستنفار الشعبي لإعادة إنتاج الهيمنة القديمة، مستغلاً أبناء الهامش والفقراء، بينما يسعى هو لتثبيت نفوذه عبر المال والشعارات الزائفة. أمام هذا التحدي، يقف السودان بين خيارين: إما السلام وإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والمواطنة، أو استمرار الحرب والفوضى واستنزاف مستقبل الأجيال القادمة.

إن مواجهة هذا المشروع تتطلب وعياً شعبياً عميقاً، وإرادة سياسية صلبة، لضمان أن يكون الوطن أولوية فوق كل الولاءات الضيقة. السودان بحاجة إلى سلام حقيقي يقوم على العدالة والمواطنة، لا على الاستنفار والفتن، وضرورة أن يختار الشعب طريق الحرية والكرامة، بعيدًا عن مشاريع الخراب التي لا تعرف سوى الدماء والفوضى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!