رأي

الحياد الزائف في حرب السودان جريمة سياسية

ابو عبدالله الراشدي

 

ابو عبد الله الراشدي 

ليس كل من يقف في المنتصف عادلاً، أحياناً يكون متواطئاً مع الجريمة

      من أكثر المواقف السياسية اختلالاً في التعاطي مع الحرب السودانية ذلك الخطاب الذي يصر على وضع الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في كفة واحدة، وكأن الطرفين يتحملان القدر ذاته من المسؤولية التاريخية والسياسية والأخلاقية عن اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023. هذا التناول لا يعكس حياداً حقيقياً بقدر ما يكشف أزمة عميقة في فهم طبيعة الصراع وجذوره والجهة التي دفعت البلاد عمداً نحو هذا الانفجار الكارثي.

لقد أصبحت حقيقة إشعال الحرب بواسطة جماعة الإخوان المسلمين المسيطرة على المؤسسة العسكرية حقيقة دامغة يصعب القفز فوقها أو طمسها بالدعاية السياسية والإعلامية. فكل الوقائع والمؤشرات السابقة للحرب تؤكد أن هناك خطة كانت تُطبخ داخل دوائر الإسلامويين لإجهاض الثورة الشعبية السودانية، وإعادة إنتاج سلطتهم التي أسقطتها الجماهير في ديسمبر المجيدة. ولم يكن الهدف مجرد مواجهة سياسية مع الدعم السريع، بل كان مشروعاً متكاملاً لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء عبر الحرب والفوضى والدماء.

لقد شعرت جماعة الإسلام السياسي بأن الثورة السودانية بدأت تُضيّق عليها الخناق، خاصة بعد انحياز قوات الدعم السريع لمسار الانتقال السياسي واصطفافها – في ذلك الوقت – مع قوى الثورة وقضايا الهامش والتحول المدني. ولذلك جرى إعداد خطة تستهدف القضاء على قوات الدعم السريع خلال ساعات معدودة، باعتبارها العقبة الأكبر أمام عودة الإسلامويين الكاملة إلى السلطة. لكن الحسابات العسكرية والسياسية لم تجرِ كما أرادت تلك الجماعة، فتحولت العملية التي قيل إنها ستُحسم في أربع ساعات إلى حرب دخلت عامها الرابع، مدمرةً السودان بصورة غير مسبوقة.

ومن هنا يصبح من الظلم الفادح مساواة الطرف الذي خطط للحرب وأشعلها بالطرف الذي وجد نفسه في موقع الدفاع عن وجوده السياسي والعسكري. فالتاريخ لا يُقرأ بالشعارات، وإنما بالوقائع والسياقات. والوقائع تقول إن الإسلامويين المختطفين للجيش هم الذين دفعوا البلاد إلى الهاوية، بعدما رأوا في الحرب فرصة أخيرة للعودة إلى الحكم على جماجم السودانيين وأشلائهم.

والأهم من ذلك أن المواقف السياسية للطرفين خلال الحرب نفسها تكشف فارقاً واضحاً في الخطاب والرؤية. فالفريق أول محمد حمدان دقلو، وعلى الرغم من اتساع رقعة سيطرة قواته وانتشارها في مساحات واسعة من السودان، ظل في معظم خطاباته السياسية يدعو إلى وقف الحرب، والجلوس إلى طاولة التفاوض، ومعالجة جذور الأزمة السودانية بصورة شاملة تمنع تكرار المأساة مستقبلاً. وحتى في خطابه الأخير أمام ضباط الدعم السريع، أعاد حميدتي التأكيد على أن قواته لا تريد استمرار الحرب، وأنها حريصة على سلام ينهي معاناة السودانيين ويؤسس لاستقرار دائم.

في المقابل، ظل خطاب عبد الفتاح البرهان أكثر ميلاً إلى التعبئة العسكرية واستمرار العمليات القتالية. فآخر خطاباته حملت لغة واضحة تقوم على الحسم العسكري و”تطهير البلاد”، وهي مفردات تعكس إصراراً على مواصلة الحرب لا على إنهائها. ولذلك فإن وضع الخطابين في مستوى أخلاقي وسياسي واحد يمثل نوعاً من المحاباة غير المنصفة التي تمارسها بعض القوى المدنية والسياسية تحت لافتة “الحياد”.

إن الحياد الحقيقي لا يعني تجاهل من أشعل الحرب، ولا مساواة الضحية بالجلاد، ولا التغاضي عن الدور الذي لعبته الحركة الإسلاموية في تدمير السودان لعقود طويلة. فالحياد الذي يتجاهل جذور الأزمة يتحول إلى شكل من أشكال التواطؤ السياسي، حتى وإن ارتدى لغة دبلوماسية ناعمة.

بعض القوى السياسية ما تزال تتعامل مع الحرب بعقلية الخوف من قول الحقيقة، فتتهرب من تسمية الأشياء بأسمائها، وتلجأ إلى خطاب رمادي يساوي بين جميع الأطراف هرباً من المواجهة الأخلاقية والسياسية. لكن الحقيقة لا يمكن دفنها إلى الأبد، لأن الدم السوداني الذي أُريق منذ أبريل 2023 يحمل بصمات الذين قرروا استخدام الجيش كأداة لاستعادة السلطة المفقودة.

لقد صار واضحاً أن الأزمة السودانية أعمق من مجرد صراع عسكري، فهي معركة بين مشروعين: مشروع يريد إعادة إنتاج دولة الإسلامويين القديمة القائمة على الاحتكار والقمع والحرب، ومشروع آخر – رغم كل تعقيداته وأخطائه – يطرح ضرورة بناء واقع سياسي جديد يعالج جذور المظالم التاريخية ويضع حداً لدولة المركز الأحادي.

ولهذا فإن التعامل مع الموقفين باعتبارهما متساويين في المسؤولية ليس إنصافاً، بل تضليل سياسي وأخلاقي. أوكما يقال “قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد، وقد ينكر الفم طعم الماء من سقم”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!