رأي

حين تُصنع الحرب ويُصنع معها الخراب: من يحاسب من دمّر السودان؟

إيمان التجاني

 

 إيمان التجاني

لا يختلف الكثيرون حول مسؤولية المشروع الإسلاموي عمّا آلت إليه بلادنا من دمارٍ وتمزق. فمنذ أن وضع يده على السلطة، تحوّل السودان إلى ساحة مفتوحة للجراح، وساحة مغلقة أمام فرص الحياة. جاء قادة هذا المشروع من أسر بسيطة استفادوا من التعليم المجاني ودعم الدولة، لكنهم حين تمكنوا من الحكم أغلقوا الأبواب ذاتها التي عبروا منها، فحرموا ملايين الفقراء من التعليم، وضربوا قلب البلاد بحرمانها من أهم ثرواتها: عقول أبنائها.

لكن إغلاق المدارس لم يكن سوى مقدمة لمشهد أكثر قتامة. إذ فُتحت جبهات الحرب على مصاريعها، وتحوّلت قضية الجنوب إلى حرب عقائدية، جُرّ فيها الشباب قسرًا من الجامعات والبيوت والطرقات، ليكونوا وقودًا لنارٍ لم يشعلوها ولم يختاروا مسارها. آلاف القتلى، قرى محترقة، وانتهاكات مروعة ارتُكبت تحت شعارات كاذبة، ثم انتهى كل شيء باتفاقٍ كان يمكن الوصول إليه منذ البداية لو كان الهدف هو السلام وليس السلطة.

وحين توقفت حرب الجنوب، اشتعلت دارفور. السيناريو ذاته: دماء، تهجير، إحراق قرى كاملة، وصناعة أعداء جدد للحفاظ على بقاء الحكم. لم تُبنَ شرعيتهم على قانونٍ أو عدالة أو تنمية، بل على استمرار الفوضى، وصناعة الحركات والمليشيات، وإبرام اتفاقات مؤقتة تُنهي نزاعًا لتفتح آخر.

اليوم، ورغم تغيّر الوجوه، لا يزال المشهد نفسه يتكرر. تُرفع شعارات الكرامة والوطن، بينما تُترك المدن لسكانها تحت القصف والجوع، وتنسحب الأطراف التي تدّعي القتال من أجل الشعب دون أن توفر ممرًا آمنًا لمن يفترض أنها تحميهم. المدني أصبح هدفًا للطرفين، وكل طرف يبرّر انتهاكه بأن الضحية تنتمي للآخر.

روى أحد الأصدقاء أن أسرته التي تعيش في قرية قرب العاصمة تعرّضت لانتهاكات متتالية من الطرفين، كل مرة بتهمة الانتماء للآخر. هذا المشهد يلخّص حال ملايين السودانيين العالقين بين طمع سياسيين لم يذوقوا مرارة الحرب، وبين قادة لا يرون في الناس سوى أرقام تُستخدم للدعاية.

استمرار الحرب يعني استمرار الجوع، فشل المواسم الزراعية، انهيار النظام الصحي، تفشي الأوبئة، وضياع مستقبل الأطفال. يعني مزيدًا من التمزق الاجتماعي، ومزيدًا من الخراب الذي قد لا يمكن إصلاحه. شعب السودان يريد شيئًا بسيطًا وعظيمًا في الوقت نفسه: يريد الحياة. يريد مدارس مفتوحة، وبيوتًا آمنة، وعملاً شريفًا، وسلامًا يحمي أبناءه من أن يكونوا وقودًا لحروب لا تخصهم.

من يريد استمرار الحرب، فليذهب ويحمل سلاحه بنفسه، لا أن يرسل أبناء الآخرين إلى الموت بينما يكتفي هو بالتحريض من خلف الشاشات. فأسهل بطولة هي بطولات الكلمات، وأقساها أن تُترك أمة كاملة تذبح بلا معنى.

السودان يستحق أن تُطفأ نيرانه، لا أن تُشعل من جديد. يستحق دولة عادلة لا تُدار بالحرب، ومستقبلًا يُبنى بالسلام لا بالدم. لقد تعب الوطن، وتعب الناس، وحان وقت أن يُسأل السؤال الذي تهرب منه جميع الأطراف: من يحاسب من دمّر السودان؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!