رأي

حميدتي… كاريزما التغيير التي كسرت مركزية الدولة وحررت الهامش من إرث الإقصاء

ابوعبدالله الراشدي

 

أبو عبدالله الراشدي

حين نقرأ ما يكتبه بعض المثقفين حول القائد محمد حمدان دقلو، تتكشف دهشة عميقة تكشف أن كثيرين ما زالوا أسرى ذهنية قديمة ترى السودان ملكاً حصرياً لطبقات اجتماعية ومناطق محددة، وكأن القيادة حق وراثي لا يُنتزع ولا يُكتسب. هذه الذهنية جعلت أصحابها يتجاهلون الحقائق التي أفرزها الواقع الجديد: أن الرجل كان أحد أبرز من انحازوا لمطلب التغيير منذ لحظته الأولى، وأنه اتخذ مواقف واضحة في محطات مفصلية، من الثورة إلى الصراع، بما يجعله رقماً حقيقياً لا يمكن تجاوزه مهما حاولت النخب القديمة تجاهله.

المشكلة أن هذه النخب لا تزال تفكر بعقلية “المركز”، العقلية التي تعتقد أن أبناء الهامش يجب ألّا يتجاوزوا الأدوار الثانوية أو الرمزية. ورغم أن السودان بلد متعدد ومتنوّع، ظل النظام الموروث من الاستعمار حريصاً على إبقاء السلطة في دائرة ضيقة جداً. لذلك كان صعود حميدتي إلى واجهة المشهد السياسي حدثاً أربك الكثيرين، لا لأنه غريب على العمل الوطني، بل لأنه كسر قاعدة راسخة اعتادتها تلك النخبة. وهنا تحضر عبارة مأثورة: “إذا أتتك مذمّتي من ناقصٍ… فهي الشهادة لي بأني كاملُ.”

لقد حاولت هذه النخب بكل أدواتها… من الإعلام إلى شبكات المصالح إلى ماكينة الشائعات… أن تشيطن الرجل وتشوّه مسيرته. لكنها كانت تتحرك بدوافع الخوف لا بدوافع الحقيقة، لأن مشروع التغيير الذي تحركه الجماهير بات أقوى من قدرتهم على التشويه. كلما حاولوا إطفاء جذوته ازداد اتقادها، تماماً كما يُقال: “كلما اشتد الظلامُ اقتربَ الفجرُ.”

وتبقى حقيقة يصعب على خصومه الاعتراف بها: أن الرجل اكتسب حضوراً شعبياً واسعاً لأنه قدّم نفسه ببساطة وصفاء ونبرة صادقة. لم يأتِ بخطاب متعالي، ولم يختبئ خلف إرث سياسي أو مناطقي، بل خاطب الناس باللغة التي يفهمونها: لغة الهم المشترك والمستقبل الممكن. هو ابن وطنٍ واسع لا يتعامل مع السودانيين بمنطق المركز والهامش، بل بمنطق أن الجميع شركاء في الأرض والمصير.

إن صعود حميدتي لم يكن مجرد صعود سياسي، بل كان تعبيراً عن تحوّل جذري في وعي السودانيين أنفسهم. لقد شعر كثيرون لأول مرة أن فرصة التغيير حقيقية، وأن شخصاً قادراً على كسر الموازين القديمة قد خرج من رحم الفئات التي جرى تهميشها طويلًا. ولعل ذلك يفسّر الإيمان الشعبي الواسع الذي التف حوله، إيمان يلخصه القول المأثور: “القائد العظيم هو من يجعل الناس يقولون بعد الإنجاز: فعلناه نحن بأنفسنا.”

لقد أدرك الرجل أن الطريق نحو التغيير ليس سهلاً، وأن القوى التي احتكرت السودان لعقود لن تتنازل بسهولة، وأن تفكيك الدولة العميقة مشروع يحتاج إلى صبر وشجاعة ورؤية. لكنه يدرك أيضاً أن البلاد لن تنهض ما لم تتحرر من إرث المركزية والإقصاء الذي دمّرها وأدخلها في دوامة الحروب. فلم يكن مشروعه مشروع سلطة، بل مشروع دولة جديدة تقوم على قيم الحرية والسلام والعدالة وكرامة الإنسان. ومن هنا نفهم قوله المأثور: “لا يُصلح الناسَ إلا العدلُ، ولا يصلح العدلَ إلا من آمن بكرامة الناس.”

هو قائد يستند إلى وضوح الرؤية لا إلى ضباب السياسة، وإلى الجرأة لا إلى المراوغة، وإلى الشعبية الحقيقية لا إلى الألقاب المصنوعة. هذا ما يقلق القوى0 القديمة؛ فهي تدرك أن صعوده يعني نهاية عهد ظلّت تتحكم فيه ببوابات السلطة والثروة. ولذلك تقاوم بكل قوتها، لكنها تقاوم التاريخ نفسه، والتاريخ لا يرحم من يقف في وجه حركة الشعوب.

ولأن السودان يقف اليوم على مفترق طرق، فإن السؤال لم يعد عن الأشخاص بقدر ما هو عن النموذج: هل تستمر الدولة القديمة، دولة المركز والامتيازات؟ أم يولد السودان الجديد الذي يشارك في صنعه الجميع؟ وفي هذا المنعطف يظهر دور حميدتي بوصفه تجسيداً لتحوّل لا يمكن إيقافه، مهما عظمت المؤامرات أو ارتفعت الأصوات المضادة. فالشعوب حين تنتصر لكرامتها لا تعود إلى الوراء. كما يقول القول الخالد: “إذا ثارَت الشعوبُ سقطت العروشُ، ولو كانت من حديد.”

في النهاية، يظل السودان بلداً يستحق حياة أفضل، ودولة عادلة، ومستقبلاً لا يُقصى فيه أحد. وكلما حاولت القوى القديمة كبح مسار التغيير، ازداد يقين السودانيين بأن زمن الإقصاء قد انتهى، وأن المستقبل يُكتب اليوم بدماء جديدة وعقول جديدة ورجال خرجوا من الهامش ليقولوا للمركز: انتهى زمن الاحتكار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!