
مؤيد الأمين
مقدّمة
في خطوة هزّت مشهد الصراع العسكري والسياسي في السودان، عرضت حكومة قائد الجيش في بورتسودان على روسيا اتفاقًا يمتد 25 عامًا لإنشاء أول قاعدة بحرية روسية في أفريقيا على ساحل البحر الأحمر، إضافة إلى إتاحة استثمارات في تعدين الذهب. الهدف المعلن: تسليح الجيش بمعدات روسية متطورة. لكن وراء هذا العرض تكمن لعبة سياسية معقّدة، تتقاطع فيها مصالح عدة أطراف — من الجيش والكِيزان إلى موسكو — في مسعى للبقاء على السلطة، أو إعادة تموضع النفوذ.
في هذا المقال، نستعرض مفاعيل الاتفاق المقترح، خلفيته، دوافع الأطراف، وعواقبه المحتملة على السودان سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.
ما المقترح بالضبط؟
وفق تقارير صحيفة وول ستريت جورنال وغيرها، قدمت الحكومة السودانية في بورتسودان عرضًا لروسيا لإنشاء قاعدة بحرية على البحر الأحمر لمدة 25 عامًا، مع إمكانية نشر نحو 300 جندي روسي وأربع قطع بحرية في ميناء بورتسودان أو منشأة بحرية أخرى.
في المقابل، يُمنح الروس حقوق استثمار في تعدين المعادن، وبالذات الذهب. الهدف الذي قدمته السلطات: الحصول على أسلحة ومعدات عسكرية روسية متطورة، بحسب مسؤولين سودانيين لم تُسمَّ أسماؤهم
بعبارة أخرى: قاعدة بحرية + تعدين ذهب = تسليح الجيش + دعم روسي.
لماذا الآن؟
لفهم توقيت عرض الصفقة، لا بد من النظر في السياق الداخلي للسودان، خصوصًا الصراع بين الجيش، قوى الإسلاميين / الإخوان المسلمين (الكِيزان)، وقوات الدعم السريع.
منذ انقلاب 2021 وما تلاه من تراجع للمؤسسات المدنية، عاد الجيش إلى الواجهة بكل ثقله. بحسب مصادر، عادت الأولوية إلى “البقاء على المدى القصير”، وتوفير الإمدادات العسكرية لمواجهة الصراع المسلح.
الحرب المستمرة منذ 2023 بين الجيش والدعم السريع زادت من الحاجة إلى أسلحة ومعدات خارجية، في ظل تضاؤل قدرة الدولة على التمويل الذاتي. في هذا المناخ، أصبح معدن الذهب مورد تمويل رئيسي. السيطرة على مناجم الذهب ومسارات تصديره باتت مصدر قوة سياسية واقتصادية.
لهذا، عادت فكرة الشراكة مع روسيا قوية: تمدّ الجيش بالسلاح، وتمنح روسيا موطئ قدم استراتيجي عند البحر الأحمر، بينما يحصل النظام على الجاهزية العسكرية اللازمة للبقاء.
من المستفيد؟ تحليل لمصالح الأطراف
مصلحة روسيا: موطئ قدم استراتيجي عند البحر الأحمر، النفاذ إلى موارد طبيعية، وتوسيع نفوذها في إفريقيا.
مصلحة القيادة العسكرية السودانية (برهان / الكِيزان): احتياجات تسليح عاجلة، تمويل الحرب عبر موارد الذهب، الاستقلال عن الضغوط الغربية.
هروب الإخوان المتأسلمين من قرار الرباعية: قاعدة روسية قد تمثل “مهرب قوة” للإسلاميين إذا تمكنوا من إقناع الروس بضمانات لهم. تعدين الذهب كمصدر تمويل يوفر لهم منابع مالية بغض النظر عن الحكم الرسمي. دور الدعم السريع: بما أن روسيا دعمت في وقت سابق الدعم السريع، فإنها قد تسعى للحفاظ على علاقاتها مع الفصائل المتحالفة مع الإسلاميين.
التناقض الصارخ: ولاء للسلطة أم للوطن؟
العرض الروسي يؤشر إلى سقوط “الكرامة السياسية” على مذبح البقاء. بدلاً من التفاوض على حل سياسي جامع، يتم رهن السيادة لمصالح خارجية — عبر قاعدة عسكرية وذهب. الدولة تتحول إلى كيان تعاقدي: تمنح قاعدة بحرية لطرف أجنبي، تُمنح حقوق تعدين الذهب لطرف خارجي، مقابل سلاح. هذا يشي بأن السلطة تبحث عن “قوة” للحفاظ على نفسها، لا “مصلحة وطنية”.
مخاطرة خطيرة: تداعيات محتملة على السودان
خطر انتهاك السيادة، استقطاب دولي جديد، اقتصاد حرب غير مستدام، انقسام داخلي وسياسي، وتمكين الإخوان تحت غطاء أجنبي.
لماذا هذا الاتفاق يعكس “قبحًا سياسيًا”؟
لأنه يجسد أن للسلطة مصالح ضيقة على حساب المصلحة الوطنية العليا، يفضّل قوة السلاح على سلطة الشرعية، ويفتح الباب أمام تدخلات أجنبية دائمة، ويغطي حق الشعب في تقرير مصيره.
المعارضة المحتملة: الأحزاب المدنية والقوى الديمقراطية سترى فيه بيعًا للسيادة، جماعات الدفاع عن حقوق الإنسان ستخشى استخدام القاعدة لقمع المعارضين، والمجتمع الدولي قد يضغط على السودان سياسيًا واقتصاديًا، والأجيال القادمة قد تدفع فاتورة دعم الحرب عبر ديون بيئية واقتصادية.
النتيجة: صفقة بقاء أم أول نقطة سقوط؟
الاتفاق المقترح — قاعدة روسية + مناجم ذهب + تسليح مقابل 25 سنة من النفوذ — قد يمنح الجيش الفرصة للبقاء في السلطة، وقد يوفر مصادر تمويل عاجلة. لكنه في جوهره صفقة بيع سيادة، وتحويل السودان إلى قطعة في رقعة نفوذ دولي.
إذا ما أصرّت القيادة على المضي قدماً دون مشاركة شعبية أو شفافية فإن السودان أمام احتمال أن تصبح دولرة الحرب منظومة مستمرة، ودولة تحت النفوذ، وشعب بلا إرادة حقيقية في تقرير مصيره.




