رأي

العنصرية تحرق ما تبقّى من السودان: الكراهية كسلاحٍ أخير للهدم  

نجم الدين دريسة

 

 نجم الدين دريسة

حين يتجاوز الوطن مرحلة الاضطراب العابر ويدخل دائرة الانهيار الوجودي، تصبح اللغة نفسها ساحة معركة، وتتحول الكلمات إلى ذخيرة، والخطاب إلى ساحة مفتوحة. وما يعيشه السودان اليوم ليس مجرد صراع سياسي أو اقتصادي، بل حرب بالوعي، حربٌ تتغذّى على خطاب الكراهية الذي تمدّد حتى صار أخطر من أي أزمة أخرى، لأنه يقتل الفكرة قبل أن يقتل الجسد، ويهدم المعاني قبل أن يهدّم البيوت. الكراهية ليست حدثًا طارئًا، بل تراكمت عبر التاريخ ووجد من يغذّيها ليضمن استمرار الفوضى والخراب.

لقد تجاوز خطاب الكراهية مرحلة الانفعال، وانتقل إلى مرحلة التخطيط. فالبلاد لم تعد تتحمل مزيدًا من الشرخ الاجتماعي، ولا مزيدًا من تسميم العقول بتصنيفات ترفع إنسانًا وتهين آخر، وكأن الوطن ملكية خاصة تُوزّع حسب الهوى والانتماء. العنصرية جريمة ضد المستقبل، فالخراب الاجتماعي لا ينشأ من فراغ، بل من تراكمات الإقصاء والتهميش والتلاعب بالعقول عبر العقود.

الجماعات التي استغلت الأزمة حرصت على أن تتسع الفجوة بدل أن تضيق، لأن مجتمعًا ممزقًا أسهل للسيطرة من مجتمع متماسك. الكراهية لا تهدم الآخر… بل تهدم الوعاء الأخلاقي الذي نحمله في داخلنا، وما نخسره اليوم ليس أصواتًا غاضبة في الفضاء الرقمي، بل نخسر أساس العقد الاجتماعي نفسه، ذلك العقد الذي يُفترض أن يربط بين كل مكونات الوطن.

الجذور التاريخية للأزمة تمتد إلى تأسيس الدولة السودانية على منظومة سياسية واجتماعية لم تُبنَ على قاعدة المواطنة المتساوية، بل على هندسة سياسية تستفيد من الانقسام. المركز بُني على حساب الهامش، والهامش تُرك ليعاني الحرمان والتهميش، من دون مشروع وطني جامع، ما جعل البيئة مهيأة لانفجار غضب مكتوم عند أول شرارة. وهذا الانفجار ظهر بوضوح خلال الأزمات الأخيرة، حيث عادت الصور النمطية القديمة مجددًا، وارتفعت موجات خطاب يستهدف جماعات كاملة ويجردها من حقوقها في الانتماء للوطن.

أخطر ما في خطاب الكراهية أنه لا يقتل لحظيًا، بل يزرع ألغامًا فكرية تنفجر بعد سنوات. فهو يعيد تعريف المواطن وفق معايير ضيقة: لونه، قبيلته، جغرافيته، لهجته، وامتداداته الاجتماعية. هكذا يصبح الانتماء الوطني نفسه موضع شك، وكأن الوطن فخٌ يُنصب للفرد لا مظلة تحميه. الأوطان لا تموت بالسلاح، بل حين نكفّ عن رؤية بعضنا كبشر، وهذه هي اللحظة التي يبدأ عندها الانهيار الحقيقي؛ لحظة يفقد فيها المجتمع قدرته على حماية عقده الأخلاقي.

وفي مواجهة هذا الخراب، يصبح السؤال الأهم: لماذا وجدت الشرارة كل هذا الوقود؟ الجواب يكمن في هشاشة البنية الاجتماعية والسياسية، وغياب العقد الاجتماعي. الدولة التي لا تبني مؤسسات عادلة، ولا تضمن توزيعًا منصفًا للسلطة والثروة، ولا تعترف بتنوعها، تصبح بيئة قابلة للانقسام بمجرد حدوث أي اهتزاز. ولذلك فإن أي حديث عن السلام يصبح بلا معنى ما دام الإنسان مهددًا بسبب هويته، وما دام الخوف يحكم العلاقة بين أبناء الوطن الواحد. لا معنى للسلام ما دام الآخر مهددًا بسبب هويته، لأن الهوية تتحول من مصدر غنى إلى مصدر خوف.

إن مواجهة خطاب الكراهية واجب وطني ملح. والطريق يبدأ بإطفاء نار الكراهية قبل أي محاولة لإصلاح البنية الاجتماعية أو السياسية، عبر خطوات عملية:

أولًا: وضع قوانين صارمة تجرّم كل أشكال العنصرية والتحريض، لأن الدولة التي تسمح للكراهية بالتمدد، تسمح بانهيارها الداخلي.

ثانيًا: تأسيس الدولة على أسس جديدة وعادلة، وبناء مؤسسة تعكس التنوع الثقافي والإثني والجغرافي، وتعزز من قيم التعايش بين كل مكونات المجتمع.

ثالثًا: إطلاق مشروع للعدالة الانتقالية والمصالحة يعالج الجراح بصراحة، فالتاريخ لا يُصلح نفسه بالصمت بل بالمواجهة.

رابعًا: صياغة عقد اجتماعي جديد يثبت قواعد المواطنة ويعيد توزيع السلطة والثروة بعدل، ويعكس تنوع السودان العظيم.

حين نصمت أمام خطاب الكراهية، فإننا نشارك في كتابة نهاية وطن. التاريخ لا يرحم الشعوب التي تغض الطرف عن أمراضها، ولا يمنحها فرصة ثانية إذا فشلت في حماية قيمها.

مستقبل السودان متوقف على قدرة أهله على التحرر من إرث الإقصاء، وإعادة تعريف مفهوم الوطن بحيث يتسع للجميع. الوطن ليس شجرة نسب، ولا تحالفًا قبليًا، ولا خريطة يرسمها المنتصرون، بل عقد أخلاقي يضمن كرامة الإنسان مهما كان لونه أو أصله أو مكانه. العنصرية ليست رأيًا؛ إنها جريمة ضد الإنسانية، وضد المستقبل.

الدول تنهض حين تصمت الكراهية، وتنكسر حين يعلو صوت البغضاء على صوت الحكمة. إن أردنا مستقبلًا جديدًا للسودان، يجب أن نبدأ من اللغة، من الوعي، من الثقافة، ومن بناء مجتمع يؤمن بأن اختلافه مصدر قوة لا مصدر موت.

حين نصمت أمام خطاب الكراهية، أو نغض الطرف عن العنصرية، فإننا نساهم في تقويض أي فرصة للنهضة الحقيقية. فالوطن لا يقوم إلا على الاحترام المتبادل، على رؤية الآخر كجزء من هذا الكل، وعلى أن اختلافنا ليس تهديدًا، بل ثروة لا تقدر بثمن.

فلا نهضة مع الكراهية، ولا دولة مع العنصرية، ولا مستقبل لمجتمع يتغذى على الخوف من نفسه. الطريق صعب، لكنه الطريق الوحيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!