رأي

الفيدرالية في السودان: هل تفتح الطريق نحو دولة المواطنة؟

الطاهر علي موسى

 

الطاهر علي موسى 

يطرح السودان اليوم أمام شعبه سؤالاً وجودياً: هل بات المواطنون مستعدّين لتقبّل نظام فيدرالي يمنح الأقاليم حقها في إدارة مواردها والمشاركة الحقيقية في القرار الوطني؟ هذا السؤال يبرز مع كل أزمة تمر بالبلاد، إذ تظل الدولة عالقة بين ماضي مركزي هش وأنظمة نخبوية تحصر السلطة والثروة في يد قلة، بينما يُترك بقية المناطق على هامش الدولة.

على مدى عقود، رفع شعب الهامش صوته مطالباً بحكم مدني يكرّم الإنسان قبل الجغرافيا، ويمنح كل إقليم حرية إدارة شؤونه المحلية. واليوم، يقف السودانيون أمام تجربة جديدة تمثلها حكومة تأسيس، التي تصدح بشعارات دولة المواطنة المتساوية، واللامركزية الموسّعة، والفيدرالية. لكن التحدي الحقيقي يكمن في ترجمة هذه الشعارات إلى واقع ملموس، بعيداً عن وعود الثورات السابقة التي لم ترَ النور، آخرها ثورة ديسمبر.

التفاؤل المحيط بحكومة تأسيس اليوم ليس محض أمنيات، بل يرتكز إلى شخصية قائدها، الفريق أول محمد حمدان دقلو، الذي يمتلك خبرة واسعة في فهم خفايا الأنظمة القديمة. فهو من الداخل شهد تلاعب النظم السابقة بالسلطة والثروة، واستطاع مواجهة مشروع الإخوان المسلمين وهزيمته على المستويين السياسي والعسكري، ما جعله محور اهتمام المحللين العسكريين والإعلام العالمي.

ومع ذلك، يظل النجاح السياسي والعسكري غير كافٍ إن لم يُدعّم بإعلام قوي وفعّال قادر على توصيل الرسالة إلى كل شرائح المجتمع. فالحكومة مطالبة اليوم بتوضيح مشروعها للناس بلغة بسيطة ومباشرة، خصوصاً لجماهير الهامش، من خلال وسائل متعددة تشمل المسرحيات الشعبية، والندوات المفتوحة، والزيارات الميدانية، وحوارات مستمرة في المدن والقرى على حد سواء. السؤال الذي ينتظر الإجابة هو: من هم التأسيسيون؟ ما أهدافهم؟ وما معنى الفيدرالية التي ينادون بها؟ وكيف ستساهم هذه الرؤية في حل المشكلات السودانية المتراكمة؟

السودان اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما تأسيس دولة عادلة تعيد توزيع السلطة والثروة، وتحقق المساواة بين المواطن والمواطن، أو العودة إلى دائرة المركزية الفاشلة التي أنهكت البلاد لعقود. الفيدرالية، إذاً، ليست مجرد نظام حكم، بل اختبار حقيقي لقدرة السودانيين على بناء وطن يشمل الجميع، ويكفل العدالة والمواطنة للجميع، بعيداً عن التهميش والاستغلال السياسي.

إن نجاح التجربة الفيدرالية سيعني الانتصار للشعب على الأنظمة التي احتكرت السلطة والموارد، وسيحول شعار المواطنة من فكرة إلى ممارسة حقيقية، تضمن لكل مواطن حقه في المشاركة، والعيش الكريم، والمساواة أمام القانون. أما الفشل، فسيكرّس الإحباط ويعيد إنتاج الحلقة المفرغة التي أدت إلى أزمات مستمرة، ولن يكون هناك طريق آخر سوى إعادة تقييم التجربة ومحاولة البناء من جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!