رأي

حين يتكلم الجنرال باسم شعبٍ لا يسمعه: قراءة في هزيان خطاب البرهان الأخير

مؤيد الامين

 

مؤيد الأمين 

في خطابه الأخير، تجاوز عبد الفتاح البرهان حدود السياسة إلى ما يشبه الهذيان السياسي، حين أعلن – دون تفويض أو سند دستوري – أن قادة تحالف “صمود” وعلى رأسهم الدكتور عبد الله حمدوك، والدكتور خالد سلك، «مطرودون بأمر الشعب»، وأن أقدامهم (لن تطأ أرض السودان مرة أخرى). لم يكتفِ بذلك، بل خاطب الدول التي تستضيفهم بنبرة وصاية، مطالباً إياها بعدم الرهان عليهم لأنهم ، حسب زعمه ، (لا يفيدون بشيء).

السؤال الجوهري هنا: أي شعب يتحدث باسمه البرهان؟

وهل يملك، فعلاً، تفويضاً شعبياً يتيح له توزيع صكوك الوطنية والنفي السياسي؟

منذ انقلاب 25 أكتوبر، فقد البرهان أي أساس شرعي يمكن أن يستند إليه. لا انتخابات، لا تفويض شعبي، ولا حتى قبول سياسي واسع. ما يملكه اليوم هو القوة المسلحة، لا الإرادة العامة. وبالتالي فإن حديثه عن «أمر الشعب» ليس سوى إسقاطٍ فجّ لرغبات سلطة الأمر الواقع على شعبٍ غائب قسراً عن الفضاء العام، إما بالمنفى أو بالموت أو بالجوع.

لو كان البرهان واثقاً من إرادة الشعب، لما احتاج إلى لغة التهديد والطرد. كان يمكنه – قبل الحرب، أو حتى قبل انهيار الهدن – أن يختبر هذه الإرادة عبر استفتاء، أو انتخابات، أو أي مسار ديمقراطي. لكنه لم يفعل، لأنه يعلم يقيناً أن الشارع الذي أسقط البشير وواجه الرصاص أعواماً، لم يمنحه يوماً تفويضاً بالحكم، ولا بالحرب.

ما يكشفه الخطاب الأخير ليس قوة موقف، بل ارتباك عميق. فالجنرال الذي يحكم باسم «الشعب» لا يستطيع في الوقت نفسه إغلاق المجال العام، وقمع الأصوات، وشيطنة القوى المدنية، ثم الادعاء بأن الشعب كله خلفه. هذا تناقض فادح لا يفسَّر إلا بوهم تغذّيه ماكينة إعلامية كيزانية، ما زالت تصرّ على تصوير الجنرال كمنقذ، بينما الواقع ينزف.

نعم، قد يجد البرهان تأييداً محدوداً وسط فئات أُنهكتها الحرب، أو سيطر عليها خطاب التعبئة العاطفية ودعاة القتال. لكن التأييد الناتج عن الخوف أو التضليل لا يصنع شرعية. الشرعية تُبنى على الرضا الحر، لا على البندقية.

الأكثر فجاجة في الخطاب، هو ادعاء الحديث باسم شعبٍ لا صوت له اليوم. شعبٌ شُرّد بالملايين، بعضه في المنافي، وبعضه تحت القصف، وبعضه يحتضر بسبب الجوع وانعدام الدواء. هذا الشعب لا يملك منبراً ليؤيد الجنرال أو يعارضه، لأن الحرب – التي يدّعي البرهان خوضها باسمه – هي نفسها التي صادرت صوته.

أما استهدافه لقادة مدنيين بعينهم، فهو اعتراف غير مباشر بأن الأزمة ليست عسكرية فقط، بل سياسية في جوهرها. فلو كانت الحرب مجرد معركة ضد «تمرد»، لما احتاج البرهان إلى نفي خصوم مدنيين، أو مخاطبة العالم محذراً من التعامل معهم. هذا السلوك يعكس خوفاً من البديل المدني، لا ثقة في التفويض الشعبي.

في المحصلة، خطاب البرهان الأخير لا يعبّر عن قائد واثق، بل عن سلطة مأزومة، محاصَرة بالأسئلة، تبحث عن شرعية لفظية تعوض غياب الشرعية الحقيقية. هو خطاب رجلٍ لا يعلم – أو لا يريد أن يعلم – ماذا يريد الشعب، لأن الشعب، ببساطة، لم يُسأل يوماً.

والتاريخ علمنا أن من يتكلم باسم الشعب دون إذنه، يسقط دائماً حين يستعيد الشعب صوته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!