تقارير وتحقيقات

الرباعية الدولية واستحقاقات الانتقال السوداني: رؤية جديدة لإعادة بناء الدولة

التنوير ... تقرير

 

التنوير ..  تقرير 

تشهد الساحة السودانية في المرحلة الراهنة حراكاً دبلوماسياً متسارعاً يعكس حجم القلق الإقليمي والدولي من استمرار الصراع، ويمثل دخول الرباعية الدولية بمقرراتها المسربة خطوة نوعية نحو التعامل مع الأزمة من منظور مختلف عما سبق. فبدلاً من الاكتفاء بالدعوة إلى وقف القتال أو إدارة أزمة إنسانية، جاءت المقررات بصياغة أقرب إلى مشروع متكامل لإعادة بناء الدولة، وتفكيك منظومات الفشل التي قادت السودان إلى الحرب.

ومع أن المقررات ما تزال غير رسمية، إلا أن من الواضح أنها استندت إلى تقييمات استراتيجية عميقة، وعبّرت عن رغبة حقيقية في دفع العملية السياسية بعيداً عن المساومات التقليدية، باتجاه معالجة الجذور المؤسسية والأمنية والاقتصادية للأزمة. وفي جوهرها، تبدو المبادرة محاولة لرسم مسار انتقالي جديد يختلف جذرياً عن كل المسارات السابقة.

🔵 أولاً: الهدنة المرحلية… مدخل لإعادة ترتيب المشهد الأمني

تطرح المقررات وقفاً مرحلياً لإطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر، ضمن ترتيبات رقابية دولية صارمة. ويمثل هذا البند مدخلاً لإعادة تشكيل المشهد الأمني بأكمله، لأنه لا يكتفي بوقف القتال وإنما يربط الهدنة بسلسلة شروط تعيد ضبط امتلاك القوة وتنظيم وجود القوات في المدن.

وتتضمن المقررات:

إخراج القوات من المناطق السكانية

حظر السلاح الثقيل داخل المدن

وقف النشاط الاقتصادي للقوات النظامية

تأمين الممرات الإنسانية بالكامل

تثبيت قواعد واضحة لحماية المدنيين

وتأتي الإشارة هنا إلى قوات الدعم السريع بوصفها الطرف الذي بات يمسك بزمام الميدان بصورة أكبر، وهو ما يدفعها – من حيث الواقع – إلى موقع المتقدم في مسار التفاوض والشروط الأولية لإعادة بناء الدولة. فترتيب القوة على الأرض هو أحد عناصر تفسير اهتمام الرباعية بوضع إطار أمني شامل لا يسمح باستمرار الحروب الصغيرة أو إعادة إنتاج بؤر التوتر.

أما الطرف الآخر، أي الجيش، فهو يدخل الهدنة بوضع عسكري أقل تماسكا، إلى جانب الانقسام الواضح في بنية القيادة داخل السلطة التنفيذية في شرق البلاد. هذا التباين بين وضع القوتين يفسر اختيار الرباعية لمسار هدنة مشروطة تقود لاحقاً إلى ترتيبات أمنية أعمق.

🔵 ثانياً: الحكومة المدنية الانتقالية… عودة السياسة إلى مركز الفعل

تضع المقررات تصوراً للحكومة المدنية الانتقالية، وتستند في ذلك إلى اختيار شخصيات من رموز ثورة ديسمبر الذين أداروا المرحلة الانتقالية السابقة. ويمثل هذا الطرح محاولة لاستعادة الفعل السياسي بعد فترة طغت فيها المقاربة الأمنية على إدارة الدولة، وأدت إلى تعميق الصراع وانهيار المؤسسات.

وتعكس هذه الخطوة اقتناعاً بأن إدارة البلاد في مرحلة ما بعد الحرب تحتاج إلى:

سلطة انتقالية ذات ولاية كاملة وغير منقوصة

فصل واضح بين المسار العسكري والمسار المدني

قيادة سياسية موحدة الرؤية

إنهاء ازدواج السلطة وتعدد المراكز المتضاربة

وهنا تبرز حكومة تأسيس بوصفها القوة المدنية الأكثر وضوحاً في الطرح السياسي، إذ تتبنى رؤية متماسكة لمرحلة انتقالية تُبنى على سلطة مدنية كاملة، وعلى عملية إصلاح مؤسسي شاملة، مع تحديد دقيق لأولويات الحكم.

ويمكن ملاحظة الفارق بينها وبين مواقف السلطة القائمة في شرق البلاد، حيث أدى تشتت مراكز القرار، وتضارب المصالح بين العسكريين وحلفائهم من القوى التقليدية، إلى غياب رؤية واحدة، وظهور مسارات متوازية لا تنتمي إلى مشروع وطني موحد بل إلى مصالح متداخلة تحافظ على الوضع القائم.

🔵 ثالثاً: إعادة هيكلة المؤسسات… خطة التجريف الشامل

من  بين أكثر البنود حساسية ما ورد فيما سُمِّي بـ خطة التسعة أشهر التي تتضمن تجريفاً فورياً لمؤسسات الدولة من عناصر النظام البائد. وهذه الخطة تمثل تحولا نوعياً لأنها تستهدف معالجة السبب العميق الذي قاد السودان إلى الانهيار: تشويه الدولة عبر ثلاثين عاماً من التمكين.

وتشمل الخطة:

إعادة تأسيس الخدمة المدنية على أسس مهنية محضة

تفكيك شبكات المصالح داخل الأجهزة النظامية

إعادة بناء الشرطة والأمن وفق هيكلة جديدة

دمج شباب ثورة ديسمبر في مؤسسات الدولة

تكوين جيش وطني جديد بعقيدة موحدة

وتأتي أهمية هذه الخطوة من أنها لا تتعامل مع الأزمة كفعل آني، بل كمحصلة لتراكمات تاريخية. فالبنية المؤسسية في السودان لم تعد قادرة على القيام بوظائفها، لأنها أصبحت محاطة بمنظومات موازية خلقت دولة ظل داخل الدولة الرسمية.

في هذا المسار أيضاً، تُظهر حكومة تأسيس وضوحاً أكبر في دعم خطة التجريف لأنها ترى فيها مدخلاً لإعادة الدولة من قبضة المجموعات التي تستفيد من بقاء الأوضاع على ما هي عليه. وفي المقابل، تتردد السلطة القائمة لأن تنفيذ التجريف سيطيح بأذرعها الأساسية ويفكك شبكة النفوذ التي توفر لها الاستمرار.

🔵 رابعاً: إصلاح القطاع الأمني… نحو جيش واحد جديد

تشدد المقررات على ضرورة تكوين جهاز عسكري موحد يقوم على المهنية، ويستوعب العناصر القابلة للتأهيل من كل الأطراف. ويمثل هذا الشرط خطوة مفصلية في مسار الاستقرار، لأن تعدد الجيوش ووجود قوات موازية ظلت من أهم أسباب استمرار الصراع.

ويتضمن المقترح:

دمج تدريجي وتحويلي للقوات

تدريب مشترك وفق معايير متفق عليها

إعادة توزيع الأدوار والعقيدة الأمنية

إنهاء الامتيازات الاقتصادية للقوات النظامية

وتتقدم قوات الدعم السريع في هذا المسار بوصفها الطرف الأكثر تأثيراً في الميدان، وهو ما يجعلها في موقع يسمح لها بلعب دور محوري في عملية الدمج إذا ما توفرت الضمانات اللازمة. في حين تواجه المؤسسة العسكرية التقليدية تحديات مرتبطة بالترهل البنيوي، والانقسام الداخلي، وتداخل النفوذ المدني والعسكري، وهو ما يعقّد عملية التحول في بنيتها الحالية.

وتأتي المبادرة في هذا الجانب منسجمة مع رؤية حكومة تأسيس التي تدعو إلى إعادة بناء القوات النظامية على أسس جديدة، بعيداً عن الولاءات الضيقة.

🔵 خامساً: البعد الاقتصادي… إعادة ربط السودان بالعالم

لم تنظر المقررات إلى الاقتصاد كملف ملحق، بل وضعته في قلب العملية الانتقالية، انطلاقاً من أن أي استقرار سياسي لن يكتمل دون معالجة الأزمة الاقتصادية العميقة. ولهذا تضمنت البنود ما يلي:

إعفاء كامل للديون الخارجية

فتح أبواب الاستثمار للشركات الأمريكية والدولية

دعم قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والمعادن

التحول نحو الطاقة البديلة

تقنين الموارد وتوحيد القنوات المالية

ويهدف هذا التوجه إلى إعادة السودان إلى الاقتصاد العالمي بعد سنوات من العزلة والتدهور، وإلى نقل السلطة الاقتصادية من شبكات الحرب إلى مؤسسات الدولة. وفي هذا الجانب أيضاً تظهر الفوارق بين الرؤيتين:

رؤية حكومة تأسيس تتجه نحو اقتصاد إنتاجي، بينما تعتمد السلطة القائمة على اقتصاد يعتمد على الجبايات والأنشطة غير النظامية، وهو ما يدفعها لعرقلة أي تحول اقتصادي قد يفقدها مصادر القوة

🔵 سادساً: فرص نجاح المبادرة… قراءة في المعادلات الداخلية

تعتمد فرص نجاح الرباعية على مجموعة من المعطيات:

التوازن الميداني الذي يفرض حلاً سياسياً

استنزاف الأطراف المتحاربة

تزايد الضغط الدولي لإنهاء الحرب

وصول الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة

اتساع التأييد المدني لرؤية حكومة تأسيس

إلا أن التحديات ما تزال كبيرة، بينها:

تعدد مراكز القرار داخل السلطة القائمة

ضعف الثقة بين الأطراف العسكرية

احتمالات تدخلات إقليمية معيقة

وجود شبكات مصالح تستفيد من استمرار الفوضى

وبين هذين المسارين تقف البلاد عند نقطة صعبة:

إما تبني مسار الانتقال، أو الاستمرار في حالة الاستنزاف الطويل.

🔵 سابعاً: مستقبل السودان بين مسارين… تأسيس الدولة أو إعادة إنتاج الأزمة

تضع المبادرة السودان أمام خيارين واضحين:

الأول: مسار إعادة التأسيس

وهو المسار الذي تطرحه الرباعية، وتتبناه حكومة تأسيس، ويقوم على:

سلطة مدنية كاملة

تجريف شامل لبنية النظام السابق

إعادة بناء المؤسسات من الصفر

دمج القوات وتكوين جيش جديد

انفتاح اقتصادي مخطط ومراقب

عملية انتقال تنتهي بانتخابات حقيقية

الثاني: مسار إعادة إنتاج الوضع القديم

وهو المسار الذي يعود باستمرار إلى:

تعدد مراكز القرار

غياب الرؤية الموحدة

استمرار الامتيازات غير المشروعة

بقاء اقتصاد الحرب مسيطراً

عجز المؤسسات عن أداء وظائفها

وتؤكد المعطيات أن المسار الأول يستند إلى رؤية واضحة وقابلة للبناء، بينما الثاني يعمق الانقسام ويمدد الصراع، ويجعل البلاد في دائرة مفتوحة من الأزمات.

الخاتمة

تُعد مقررات الرباعية واحدة من أكثر المبادرات شمولاً منذ اندلاع الحرب، لأنها تذهب مباشرة إلى جذور الأزمة، وتقدم خطوطاً واضحة لمسار انتقال جديد يعالج ثغرات الدولة. وبينما تبدو حكومة تأسيس الطرف المدني الأكثر وضوحاً وقدرة على التعامل مع هذه المقررات، تظل السلطة القائمة أسيرة تشتت مراكز النفوذ، ما يجعل موقفها غير موحد ويحد من قدرتها على قيادة انتقال حقيقي.

ومع تزايد الضغوط الإنسانية، وتعقد الوضع الميداني، وارتفاع تكلفة الحرب، تبدو البلاد أمام فرصة ربما تكون الأخيرة قبل أن يدخل السودان مرحلة انهيار أعمق. نجاح المبادرة أو فشلها سيعتمد في المقام الأول على قدرة الأطراف السودانية على اعتماد رؤية واحدة لبناء الدولة، لا لإدارة الصراع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!