
عبد الرحمن ابو رندة
حين تغيب الدولة… تتبدي الفوضى
لم يعد المشهد السياسي قابلاً للتفسير البسيط أو الاختزال في صراع تقليدي على السلطة، بل بات يعكس خللاً عميقًا في بنية القرار الوطني، حيث تتداخل المؤسسات الرسمية مع تأثيرات أيديولوجية تتجاوز حدود الدولة. غير أن جوهر هذا الخلل لا يكمن فقط في هذا التداخل، بل في غياب مشروع سياسي واضح يُحدد الاتجاه، ويضبط الإيقاع، ويمنح الفعل السياسي معناه.
حين تغيب الرؤية، تتحول الحرية إلى فوضى، ويتحوّل التعدد إلى تنازع، ويصبح المجال العام ساحة مفتوحة لكل الأصوات دون معيار أو بوصلة. فالأزمة ليست في اتساع هامش التعبير، بل في غياب الإطار الذي ينظم هذا الهامش ويمنحه غاية وطنية. وهنا تتجلى المفارقة الخطيرة: حرية بلا مشروع سياسي لا تنتج ديمقراطية، بل تُنتج اضطرابًا دائمًا يستهلك الدولة ويُضعفها.
تكمن الخطورة في أن المجال العام أصبح مفتوحًا أمام خطاب متوتر ومشحون، يصدر من جهات يُفترض أنها منضبطة بضوابط الدولة، لكنه يحمل مضامين تتجاوز الإطار الوطني إلى ساحات إقليمية معقدة. مثل هذا الخطاب لا يمكن اعتباره انفعالًا عابرًا، بل هو انعكاس مباشر لفراغ سياسي، حيث تحل الأيديولوجيا محل المشروع، والانفعال محل التخطيط.
وفي ظل هذا المناخ، يبرز الصمت الرسمي كعامل حاسم في تعقيد الأزمة. فغياب الموقف الواضح لا يترك فراغًا محايدًا، بل يفتح الباب أمام قراءات متعددة، جميعها تقود إلى نتيجة واحدة: تآكل هيبة الدولة وتراجع قدرتها على ضبط مساراتها. فالدولة التي لا تمتلك مشروعًا، لا تستطيع أن تُنتج خطابًا متماسكًا، ولا أن تفرض حدودًا لما يُقال أو يُفعل.
التجربة التاريخية تُظهر أن الدول التي تفقد مشروعها السياسي تصبح عرضة للاختطاف، ليس فقط من قِبل قوى منظمة، بل أيضًا من حالة الفوضى نفسها. ومع تغيّر السياقات الإقليمية وتعقّد موازين القوى، يصبح هذا الفراغ أكثر خطورة، إذ تتحول الدولة إلى ساحة مفتوحة لتصفية حسابات الآخرين.
إن أخطر ما في هذا المسار هو تحوّل الدولة من فاعل مستقل إلى كيان ردّ فعل، يتحرك وفق ضغوط متناقضة بدل أن يقودها. فحين يغيب المشروع، تغيب السيادة بمعناها الحقيقي، وتُختزل الدولة في إدارة الأزمات بدل صناعتها للحلول.
المطلوب اليوم ليس فقط ضبط الخطاب أو احتواء التوتر، بل بناء مشروع سياسي جامع، يعيد تعريف الأولويات، ويربط الحرية بالمسؤولية، ويحوّل التعدد إلى قوة لا إلى صراع. فإما أن تُبنى الدولة على رؤية واضحة، أو تظل أسيرة فوضى تُغذي نفسها بنفسها، وتمضي بها نحو مزيد من التآكل الصامت.




