رأي

مبادرة الرياض وواشنطن بين رجاء السودانيين وريبة التجارب المريرة

إيمان التجاني

 

إيمان التجاني 

في المشهد السوداني المحتقن، تبدو المبادرة التي تقودها المملكة العربية السعودية، والموقف الواضح الذي أعلنه الرئيس الأمريكي بشأن ضرورة وضع نهاية عاجلة للحرب، كنافذة أمل حقيقية وسط الصراع المتشعب الذي يلتهم ما تبقى من الدولة والمجتمع. فالجهد السعودي المتنامي، والدفع الأمريكي نحو مسار عملي يوقف نزيف الحرب ويفتح الباب أمام تسوية سياسية شاملة، لم يأتيا من فراغ؛ بل يعكسان إدراكًا واقعيًا بأن استمرار الأزمة في السودان بات خطرًا مباشرًا على الإقليم، وعلى مسارات الملاحة، وعلى الأمن الجماعي في البحر الأحمر ومنطقة القرن الإفريقي.

وقد لاقت هذه التحركات الدولية ترحيبًا واسعًا من قطاعات كبيرة من القوى السياسية والمدنية، وحتى من أطراف داخل المؤسسة العسكرية التي تدير شؤون الدولة. إذ رأت غالبية هذه الأطراف أن المبادرة تشكل فرصة جدية لتغيير مسار الحرب، وكبح جماح الانهيار الأمني والإنساني، وإعادة وضع السودان على سكة الدولة الطبيعية بعد سنوات من الفوضى والاحتراب.

غير أنّ التجربة السودانية مع جماعة الإسلام السياسي تُحتّم على كل متابع حصيف أن يتعامل بحذر شديد مع هذا الانفتاح المعلن. فالتاريخ الطويل لهذه الجماعة يكشف نمطًا راسخًا من المناورة، وكسر الوعود، والتحلل من الاتفاقات حينما تقتضي مصالحها ذلك. لقد أثبتت أحداث العقود الماضية أن إخوان السودان لا عهد لهم، وأنهم قادرون في لحظة واحدة على الانقلاب على أي تفاهم مهما تعددت ضماناته. ولهذا السبب تتعاظم الريبة من أي موقف يصدر عن النظام المسيطر في شرق البلاد، بوصفه ساحة النفوذ الأكبر للحركة الإسلامية، ومحركًا أساسيًا لخطاب الحرب واستمراريتها.

ومما يزيد من تعقيد المشهد أنّ رأس المؤسسة العسكرية التي تمثل الطرف الرسمي في هذه المبادرة الدولية، يعاني من تخبط واضح في مواقفه وقراراته. فغياب الرؤية الموحدة، وتبدل التصريحات، والتراجع المتكرر عن وعود سبق إطلاقها، كل ذلك يجعل من الصعب الاعتماد على موقف ثابت يمكن البناء عليه. إن شخصية مترددة، محاطة بتيارات متناقضة، ومكبولة بقبضة الإسلاميين الذين يبتلعون مؤسسات الدولة، لا تستطيع — بطبيعتها — اتخاذ قرارات حاسمة تتماشى مع روح المبادرة الدولية، ولا تملك القدرة على الالتزام بخط سياسي مستقر.

إن الخطورة هنا لا تكمن فقط في عدم ثقة السودانيين في التيار الإسلامي، بل في أن الطرف الرسمي الذي يُفترض أن يقدم ضمانات للرباعية الدولية هو ذاته واقع تحت تأثير من يسعون إلى استمرار الحرب واستثمارها سياسيًا. وهذا يجعل أي محاولة دولية، مهما كانت جديتها، عرضة للانتكاس في لحظة واحدة، إذا ما قررت القوى المتشددة استعادة زمام المبادرة داخل السلطة الشرعية على الأرض.

وبالرغم من ذلك، فإن المبادرة السعودية ـ الأمريكية تظل الأكثر واقعية منذ اندلاع الحرب. فهي مبادرة تستند إلى أدوات ضغط حقيقية، ورؤية مدعومة من شركاء إقليميين مؤثرين، وتلتزم بربط المسار الإنساني بالمسار السياسي، في محاولة لإعادة بناء الدولة من قاعدتها الأساسية: الأمن، الإغاثة، وإعادة الإعمار. كما أن الرؤية الدولية باتت أكثر وضوحًا في رفض أي دور للقوى التي قادت السودان إلى الانهيار سابقًا، وفي وضع خطوط فاصلة تمنع إعادة إنتاج ذات البنية التي فجّرت الأزمات.

ومع كل ذلك، تبقى الريبة واقعية. فالسودانيون الذين جُرحوا من التجارب المتكررة مع الإسلاميين، والذين تابعوا لسنوات كيف تُدهس الاتفاقات تحت أقدام المصالح الضيقة، يعرفون أن الطريق إلى السلام لن يكون آمنًا ما لم يُسلب التيار الإسلامي القدرة على التحكم في قرار الدولة. كما يدركون أن القيادة العسكرية الحالية، ما دامت عاجزة عن اتخاذ موقف مستقل، ستظل مصدرًا للقلق، وقد تُعرقل المسار الدولي في لحظات حاسمة.

إن الدعوات إلى السلام مرحب بها، والإرادة الدولية الحالية فرصة نادرة، لكن الحذر واجب، واليقظة مطلوبة. فالسودان يقف على مفترق طرق: إمّا أن تنجح الجهود في انتزاع القرار من قبضة القوى التي اعتادت المتاجرة بالحرب، وإما أن تُجهض المبادرة الدولية كما أُجهضت غيرها من قبل، لتُترك البلاد رهينة لفوضى جديدة.

وفي نهاية المطاف، فإن مستقبل السودان سيُحسم بقدر ما يستطيع السودانيون أنفسهم حماية المبادرة من الاختطاف، وتحصينها من تلاعب الإسلاميين، ودفع الأطراف الرسمية إلى اتخاذ موقف وطني واضح، لا متردد، يجنب البلاد المزيد من الانهيار، ويضع حدًا لحرب أنهكت كل شيء إلا طمع السلطة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!