رأي

السلام هو الطريق الوحيد إلى المستقبل

صالح السليمي

 

صالح السليمي

يمر السودان اليوم بمنعطف تاريخي هو الأصعب في تاريخه الحديث، حيث وضعت الحرب البلاد أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في دوامة الدمار والتمزق، أو سلوك درب شجاع نحو سلام شامل ومستدام. إن الواقع الأليم يثبت يوماً بعد يوم أن السلاح لا يمكنه بناء دولة، وأن الانتصارات العسكرية المؤقتة ما هي إلا هزائم استراتيجية للوطن بأكمله، حيث تشير تقارير الامم المتحدة والمنظمات الدولية إلى أن أكثر من 33.7 مليون سوداني—أي ما يعادل نحو ثلثي السكان—باتوا اليوم بحاجة ماسة ومستمرة إلى المساعدات الإنسانية العاجلة. من هنا، يصبح السلام عصب البقاء، والوصول إليه ليس مجرد خيار سياسي، بل هو الممر الإجباري الوحيد والشرط الأساسي لنقل السودان من حاضر النزوح والركام إلى مستقبل الاستقرار والتنمية.

إن الخطوة الأولى والملحة لبدء مسيرة التعافي تتمثل في وقف فوري وقابل للمراقبة لإطلاق النار لتخفيف المعاناة الإنسانية التي خلفت اكبر ازمة نزوح في العالم. لقد أجبرت لغة البنادق ما يقرب من 14 مليون شخص على الفرار من منازلهم، من بينهم نحو 9.1 مليون نازح داخلياً يتوزعون على مختلف الولايات، وأكثر من 4.5 مليون لاجئ عبروا الحدود إلى دول الجوار بحثاً عن الأمان. لا يمكن الحديث عن أي عملية سياسية أو مستقبل ديمقراطي بينما يستمر قصف المدنيين وتدمير البنى التحتية، وهو ما يتطلب تدخلاً حاسماً عبر التنسيق مع المبادرات الدبلوماسية الدولية والإقليمية النشطة، لا سيما “المجموعة الخماسية” التي تضم الاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة. وتكثف هذه الأطراف جهودها لفرض آليات مراقبة صارمة لحماية المدنيين وفتح الممرات الإنسانية الآمنة لإنقاذ ملايين المحتاجين الذين يعانون وسط انهيار شبه كامل للخدمات الأساسية.

ويرتبط السلام المستدام ارتباطاً وثيقاً بتأسيس حكم مدني ديمقراطي شامل وإعادة هيكلة القطاع الأمني كركيزة حيوية لاستدامة الاستقرار. إن المخرج الآمن يكمن في تشكيل حكومة كفاءات وطنية تمثل التنوع الإثني والجغرافي العريض للبلاد، بالتوازي مع دمج كافة التشكيلات المسلحة وحل الميليشيات الموازية لإنشاء جيش وطني واحد. ويبرز هنا الدور المحوري للحراك الدبلوماسي الراهن، مثل مؤتمر برلين الثالث للسودان والاجتماعات الوزارية المتتابعة لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، والتي تحاول جاهدة سد الفجوة بين الالتزامات الدولية والواقع الميداني، ودفع الأطراف المتصارعة للالتزام بـ”خارطة طريق” توحد الرؤى الإقليمية. إن هذا الإصلاح الهيكلي للمؤسسات هو الصمام الذي سيمنع تكرار مأساة الاقتتال الداخلي مستقبلاً، وسيقود بالضرورة إلى إعادة تشغيل المنظومة الصحية والتعليمية بعد أن خرجت أكثر من 70% من المرافق الطبية في مناطق النزاع عن الخدمة، وترك ملايين الأطفال بلا تعليم.

ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية، يواجه نحو 21 مليون سوداني مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، مما دفع البلاد نحو شبح مجاعة حقيقية تتطلب ضغوطاً دبلوماسية مكثفة لوضع حد لهذه المأساة. إن طي صفحة الحرب يتطلب أيضاً تفعيل المسارات القانونية الإقليمية والدولية لتحقيق العدالة والمحاسبة والمكاشفة لكل من تورط في انتهاكات ضد المدنيين، لأن السلام الحقيقي لا يتأسس على تسييد الإفلات من العقاب، بل على جبر ضرر الضحايا ومعالجة جذور الاستقطاب القبلي من خلال حوار سياسي “سوداني-سوداني” شامل تيسّره القوى الدبلوماسية لضمان مصالحة مجتمعية حقيقية وصادقة.

وعلى الرغم من قسوة هذه الأرقام وفداحة الخسائر، إلا أن السودانيين يعلقون اليوم آمالاً عريضة وكبيرة على تفعيل هذه المبادرات الدبلوماسية الراهنة وتحويل زخمها إلى اتفاق سلام ملموس، ويرون في هذا الحراك بوابتهم الوحيدة للانتقال من هذا الواقع المأساوي إلى مستقبل آمن ومستقر.

إن تطلع الشعب السوداني بجميع أطيافه يتجاوز مجرد الرغبة في صمت المدافع؛ بل هو تطلع لاستعادة حقهم في الحياة الكريمة، والعودة إلى ديارهم، وبناء مجتمع مستقر تدار ثرواته الوفيرة من أجل النماء والتعافي. إن هذا الأمل الشعبي الجارف يمثل دافعاً حتمياً يستوجب من الوسطاء الدوليين ممارسة أقصى درجات الضغط، ويدعو الأطراف كافة لتقديم التنازلات التاريخية والتحلي بالمسؤولية الوطنية، فالحرب قد استنزفت الماضي والحاضر، وليس أمام السودان سوى إعلاء إرادة السلام كطوق نجاة أخير لترسيخ السيادة وبناء غدٍ آمن ومزدهر يستحقه أبناؤه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!