رأي

إنهم يقتلون المدنيين!

منعم سليمان

 

منعم سليمان

ما صدر مؤخرًا عن الميليشياوي القبلي “أبو عاقلة كيكل” لم يكن نتيجة سلوك أحمق ينسجم مع إجرامه المعروف عنه، بل جاء تعبيرًا واعيًا ومقصودًا عن نهج وسلوك متعمد.

الرجل، بصفته قائد المليشيا القبلية (قوات درع السودان) المتحالفة مع الجيش، والتي تعمل تحت مظلته العسكرية، والمتورطة في جرائم تطهير عرقي بولاية الجزيرة وفقًا لتقرير CNN، أعلن بوضوح أن أي مدني يحاول مغادرة مدينة “الأبيض” سيُواجَه بإطلاق النار، معتبرًا النزوح فعلًا عدائيًا يجب منعه بالقوة.

هذا التصريح الصادم لا يكشف فقط عن انحدار خطير في الخطاب العسكري، بل يفضح خللًا عميقًا في فهم طبيعة الحرب وحدودها الأخلاقية والقانونية. فالأخطر من التهديد ذاته هو صمت الجيش السوداني، الذي يعلن أن هذه القوات تعمل تحت إمرته وبتوجيهاته، دون أن يصدر عنه أي نفي أو إدانة، تاركًا المدنيين في مواجهة مباشرة مع تهديد مسلح صادر من قوة حليفة له.

الحديث عن الثقة بالنصر يبدو أجوف أمام هذا السلوك. فعندما يُجرَّم سعي المدني للنجاة، نكون أمام قيادة تخشى على نفسها ومواقعها أكثر مما تخشى على أرواح الناس.

في الحسابات العسكرية، تعني المدينة الخالية من السكان مواقع مكشوفة وقصفًا كثيفًا بلا كلفة سياسية. وتجربة بابنوسة وسقوط الفرقة 22 مشاة في مدينة أُفرغت من أهلها ما تزال ماثلة بوصفها إنذارًا لا ترغب قيادة الجيش في تكراره بمدينة الأبيض.

تبلغ المفارقة الأخلاقية ذروتها حين نتذكر أن الجيش نفسه انسحب – ويمكن أن تقرأ: هرب إن شئت – مرارًا تحت ضغط المعارك، مغادرًا النهود والخوي وبارا وبابنوسة، وقبلها ود مدني وسنجة والسوكي، ثم عاد لإعادة الانتشار عندما اختل ميزان القوة.

هروب الجيش من المعارك يُسمَّى “إعادة تموضع”، وعندما يقوم به المدنيون يُوصَف بالخيانة ويستحقون عليها القتل رميًا بالرصاص!

هذا التناقض الفج يكشف أن ما يطلبه الجيش من المدنيين ليس النجاة بأنفسهم من أرض المعارك، بل البقاء كدروع بشرية تخدم الحسابات الدفاعية.

وهكذا، وفقًا لهذه النظرية البرهانية الكيكلية العسكرية الجديدة، يتحول السكان إلى عنصر “تأمين عملياتي” غير معلن: وجودهم يقيّد القصف، ويمنح القوات هامش مناورة، ثم تُستثمر دماؤهم لاحقًا في خطاب المظلومية في المنابر الدولية!

قانونيًا، فإن منع المدنيين من النزوح وتهديدهم بالقتل يُعد انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني واحتجازًا قسريًا في منطقة قتال. وصمت الجيش عن تهديدات قائد مليشيا حليفة يحمّل القيادة العسكرية المسؤولية المباشرة.

المدن لا تُحمى بتحويل أهلها إلى رهائن، ولا تُدار الحروب بإشهار السلاح في وجه من يحاول النجاة. وعندما تُقدّم المواقع العسكرية على أرواح الأبرياء، تبدأ الهزيمة وتفقد السلطة معناها.

إنهم يقتلون المدنيين، لا يحمونهم!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!